التاريخ : 22 فبراير, 2019 | الوقت الان : 1:02 ص
نفحات
ظاهرة البكاء عند الإمام السجاد (عليه‌ السلام) بالدراسة والتحليل, ودورها في التربية وتهذيب النفس
5 فبراير, 2019 | 12:13 م   -   عدد القراءات: 163 مشاهدة
ظاهرة البكاء عند الإمام السجاد (عليه‌ السلام) بالدراسة والتحليل, ودورها في التربية وتهذيب النفس


شبكة الموقف العراقي

دأب معظم الكتّاب والباحثين الذين كتبوا عن سيرة أئمة أهل البيت عليهم ‌السلام على عدم تجاوز النسق التقليدي في العرض التأريخي لحياة كل واحد منهم ، والذي يستهل عادة بذكر يوم ولادته وأسمائه وكناه ومناقبه ومعاجزه وكراماته ونحوها، انتهاءً بوفاته… وقليل منهم من يدون مقاطع وأحداثاً أكثر إثارة في حياتهم الاجتماعية والسياسية.

هذا مع عموم أئمة أهل البيت عليهم‌ السلام أما حين نأتي علىٰ دراسة حياة الإمام السجاد زين العابدين عليه‌ السلام فسنرى الرزيّة أعظم والكارثة أدهىٰ وأمرّ ؛ إذ إنّ هذا الإمام ـ كما هو معروف ـ عاش أقسىٰ وأشدّ ما يعانيه إنسان معارض وهو يرىٰ بأُم عينيه مشاهد وفصول واقعة كربلاء الرهيبة ويبقىٰ يحمل ذكرياتها في ضميره ووجدانه ، الأمر الذي دفع السلطات إلىٰ أن تحصي عليه أنفاسه وتراقب حركاته وسكناته ، وفي مقطع زمني بغيض أقلّ ما قيل فيه إنّ الناس بعد مصرع والده الإمام الحسين عليه‌السلام «ارتدوا جميعاً إلّا ثلاثة»(1).

وذلك تعبير عن هول الصدمة التي عصفت بمشاعر الاُمّة وهي ترىٰ ابن بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وسيد شباب أهل الجنة مع أصحابه وبنيه مجزّرين كالأضاحي في رمضاء كربلاء ، لا يسلم منهم أحد إلّا رجل واحد مريض ، اختزنته المشيئة الإلهية ليبقىٰ شاهداً علىٰ العصر وحجّة علىٰ العباد لاستكمال فصول «الابتلاء» ؛ بل الغضب الإلهي الذي عمّ أهل الدنيا بعد تلك الواقعة السوداء التي لطخت وجه التاريخ.

نقول ، إنّ «التاريخ الأسود» الذي كتبته السلطة الأموية الحاكمة ، لم يبق للمؤرخين من سيرة هذا الإمام العظيم إلّا النزر القليل، فضلاً عن التحريف المتعمد لتشويه صورته والتعتيم علىٰ مواقفه وسيرته ووفق الطريقة التي تخدم السلطة الحاكمة ، وتبرّر للحكام عزلته أو اعتزاله ، بل تفسّر ذلك وتبرره علىٰ أنّه الموقف السليم من الحكم ، الأمر الذي سار عليه الكتّاب والمؤرخون في تفسيرهم الظاهري لاعتزاله ، بل عزله وإقصائه(2).

ولكن ، ومع كل هذا التغييب المتعمّد أو هذا التعسف الظالم بحق الإمام السجاد عليه‌السلام ، إلّا أن مواقفه وكلماته وسيرته تحدّت حجب الزمن وركام التاريخ وغبار المدوّنات الظالمة ، وتركت لنا منه سفراً خالداً يجدر بالكتّاب والباحثين المعاصرين أن يقرأوه أو يدرسوه قراءة متأنية أُخرىٰ ، أو دراسة تحليلية جديدة تتناسب مع موقعه باعتباره الرمز الأول في معارضة سلبية قُتل كافة رجالها في معركة غير متكافئة ، أقعده المرض عن خوضها وبقي يُقاتل وحده ، بطريقةٍ أقلّ ما يقال فيها أنّها كانت أقسىٰ من ساعة مواجهة كان يمكن أن يستشهد فيها مع اخوته وأبيه وأصحاب أبيه ويتخلص من أيام ضيم وسنيّ ألم وعقود حصار ، وملاحقة مرّة جعلت منه رمزاً منغّصاً ، وهاجساً مرعباً لسلطة الباطل ، ووجهاً لوجه أمام قوم غلاظ نزع الله من قلوبهم الرحمة ، فراحوا يعدّون عليه أنفاسه ويلجأون إلىٰ شتىٰ الوسائل لاِنهائه والاجهاز عليه وإلحاقه بمن سبقه من سلالة هذا البيت الطاهر الكريم…

إذن ، من هذا المنطلق سنحاول في بحثنا هذا أن نقترب من هذا الإمام العظيم باعتباره حركة في الواقع وتجسيداً للمثال ، وقدوة حسنة ، ونموذجاً حركياً عاش علىٰ الأرض وتحرك مع الناس وأنزل المفاهيم السماوية مصاديق متحركة تمشي علىٰ أقدامها في الأسواق ومع الفقراء والعبيد وعوامّ الناس ، لتؤكد للجميع أنّ الإمام شعار وشعور ، مفاهيم ومصاديق ، أقوال وأفعال ، موعظة وسلوك ، توجيه وممارسة ، يواسي الفقير ، وينتصر للمظلوم ، ويصفح عن المسيء ، يعدل بين المتخاصمين ، ويدعو علىٰ الظالمين ، ويدعو للمظلومين ، يبكي نبلاً ، ويتهجّد صدقاً ، وينشج حزناً ، ويقرأ القرآن اعتقاداً وتصديقاً ، ويرتّله إيماناً ويقيناً ، ويعمل به أخلاقاً وسلوكاً ، فلسفة وعرفاناً ، نظرية وتطبيقاً…

وقد تناول هذا البحث في سطوره مبحثان :

المبحث الاَول تناول  (الإمام السجاد عليه‌السلام في سطور) ـ المحطات الاساسية في حياته الشريفة والتأشير صوب الأدوار الرئيسية التي جسّدها في حياته.

0