التاريخ : 24 يناير, 2019 | الوقت الان : 5:16 ص
بروجكتر
“عمالة الاطفال” ظاهرة تتسع في العراق بمهن خطرة لمواجهة تحديات الحياة
25 مارس, 2018 | 1:44 م   -   عدد القراءات: 936 مشاهدة
“عمالة الاطفال” ظاهرة تتسع في العراق بمهن خطرة لمواجهة تحديات الحياة


شبكة الموقف العراقي

اطمة طفلة لا يتجاوز عمرها التسع سنوات , يجدها المارة دائما وهم في طريقهم للعمل او وهم متوجهون للمدارس تبحث في مكب النفايات عن القطع المستهلكة من اجل إعادة صنعها مثل علب المشروبات الغازية ” قناني البيبسي ” ومواد النحاس ” الصفر ” والألمنيوم وجميع ما يشكل منفعة اقتصادية أو ربحا ماديا, تركت فاطمة المدرسة وبدأت بالعمل لتحسين دخل عائلتها بعد أن قضى والدها بانفجار في العاصمة بغداد قبل اربع سنوات, انفجار انهى حياة الاب واغتال طموح ومستقبل فاطمة.

تتحدث فاطمة باللهجة العامية وهي تخفي باستحياء وبراءة لم تمحيها مكبات النفايات جرح اصاب يدها بإحدى قطع الزجاج  بينما كانت تبحث عن احلامها التي التهمتها نيران الانفجار وفك الاهمال الحكومي: ” اني احب المدرسة وجنت اريد اصير رسامة وكلش اضوج من اشوف الجهال يروحون للمدرسة واني ادور بالزبل بس شسوي”.

تقضي فاطمة وهي الاخت الاكبر لصغير رضيع  وام انهكها مرض السرطان , 6 ساعات متواصلة  في العمل ,هذه الطفلة التي تحمل اكياسا تضاعف وزنها احيانا  وتتحمل مسؤولية عائلتها على كتفيها  منذ صباها وتتقاضى مبلغ 35 الف او اكثر بقليل تدفعه ببساطة لسد رمق العيش وشراء ساعات اضافية لحياة والدتها .

قصة فاطمة ليست الوحيدة لصغار عملوا ليعيلوا أسرهم, ان هذه الظاهرة التي تتعارض مع التزامات وشروط ضرورية ومهمة ، تعليمية وصحية ونفسية واجتماعية ,ازدادت بشكل لافت للنظر بعد عام2003 وأمام أعين المسؤولين ، حيث يلجأ الآلاف من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة الابتدائية والتوجه إلى سوق العمل، لإعانة عوائلهم خصوصا من ذوي الدخل المحدود في ظل تحذير منظمات المجتمع الدولي ومنظمات تابعة للأمم المتحدة والتي تختص بحقوق الطفولة وحمايتها من مخاطر تواجد آلاف الأطفال يوميا في ميادين الأعمال التي تتخذ  مجالات وإشكال مختلفة بدءا بمكبات النفايات التي يتواجد فيها الكثير من الأطفال ” أطفال القمامة ” بحثا عن القطع المستهلكة إضافة إلى وجودهم في المعامل الأهلية الصناعية التي تفتقد إلى الدور الرقابي من قبل وزارات الدولة المعنية بظاهرة عمل الأطفال ، وكذلك يتواجدون كباعة جوالة في الأسواق لبيع أكياس النايلون ، فضلا عن تواجدهم في معامل صناعة الطابوق في منطقة النهروان في محافظة بغداد وغيرها ، كذلك الحال تواجدهم في إشارات المرور لبيع ” قناني الماء ” و” المناديل الورقية ” وأخيرا لدينا وجودهم في المدن والمناطق الدينية المقدسة ، لبيع الأدعية وقطع القماش المعروفة باسم ” العلق ” وما سواها من صور لرجال الدين الأحياء منهم والأموات على حد سواء.

المتحدث باسم وزارة التخطيط, عبد الزهرة الهنداوي يقول في حديثه  ان :” ظروف العراق غير المستقرة والازمة الاقتصادية والحروب  انعكست سلبا على الوضع المعيشي للمواطن  وبالتالي دفعت الكثير من العوائل لتشغيل  ابناءها بشتى انواع الاعمال التي لا تتلاءم غالبا مع البنية الجسدية للطفل”.

وبين الهنداوي ان” ظاهرة عمالة الاطفال ظاهرة ليست جديدة لا سيما في عهد التسعينات الذي عانى فيه العراق من الحصار الذي دفع الكثير من العوائل لتشغيل ابناءها لتوفير متطلبات العيش وهذا ادى الى التسرب من المدارس وبالتالي عدم اكمال تعليمهم  وبعد 2003 استمرت هذه الظاهرة لان البعض وجد فيها مكسب سهل للعيش واخرون استغلوا الوضع الاقتصادي الصعب للبعض العوائل” .

واشار المتحدث باسم وزارة التخطيط ان”  يمكن الحد من هذه الظاهرة من خلال  توفير متطلبات العيش للأسر وبالتالي تغني العوائل من اراسل اطفالها للعمل ,فضلا عن ضرورة تحسين المستوى التعليمي  للأطفال وتشجيعهم على الالتحاق بالمدارس مهما كانت الظروف”.

واكد الهنداوي الى ان” هناك تراجع ملحوظ بنسب عمالة الاطفال مقارنة بعام 2014-2015  حيث بلغت حوالى 6 -7 %  من مجموع الاطفال في العراق, نتيجة لاستقرار الوضع الامني بسنبة كبيرة وعودة 54% من الاسر النازحة لبيتوهم بعدما  اضطر اغلبهم بتشغيل ابناءهم لسد رمق العيش”.

عضو لجنة حقوق الانسان , النائب اشواق الجاف تقول  في حديثها ان:” الحكومة الاتحادية ومجلس النواب لا يستطيع وضع حد لظاهرة عمالة الاطفال خاصة ونحن نعاني الان من فوضى سياسية وعدم تخطيط وتخبط , وبذلك لا توجد معالجات حقيقية لهذا الموضوع “.

واوضحت الجاف ان :” ان الحد من هذه الظاهرة يكمن من خلال تحديد اسباب وجود ظاهرة عمالة الاطفال خاصة وان الاسباب كثيرة ولازالت مستمرة بلا خطط فعالة للحد منها, وان عدم وجود تخطيط حقيقي  لمعالجة جذرية لهذه الظاهرة خاصة لمن فقدوا معليهم جراء العمليات الارهابية سيزيد من هذه الازمة”. لافتا الى ان التشريع والرقابة لم تأخذ مجراها الحقيقي على ارض الواقع,  لذا فحقوق الاطفال التي نص عليها القانون لم تفعل ولم يأخذ الاطفال منها شيء كما هو الحال مع كافة  شرائح المواطنين .

يشار الى ان مخاطر ظاهرة عمالة الأطفال وآثارها على المجتمع العراقي لا تكمن في طبيعة الاستغلال الاقتصادي والمادي للطفولة العراقية أو تكمن في ترك هؤلاء الأطفال دون تمتع بمراحل حياتهم الزمنية  من تربية وتعليم واندماج مجتمعي في عالم البلوغ والاكتمال ضمن سلوكيات حضارية وإنسانية  فحسب , بل يضاف إليها ما هو أخطر بشكل كبير يكمن في ” تأبيد عناصر الفساد السياسي للطبقة الحاكمة ” من خلال وجود أعداد كبيرة من الأطفال ، دون تعليم وتربية حقيقية تذكر ، فكلما ارتفعت نسبة الأمية في العراق كلما تمكنت السياسة من استغلال المجتمع وبقائه ضمن حالات مختلفة من الجهل والتطرف والتخلف ، فضلا عن شيوع ثقافة الانقسام والانتقام لدى الأجيال المعاصرة ، المغيب عنها ابسط الحقوق المادية والمعنوية .

فقد اكد الباحث الاجتماعي, حسين الكاظمي في حديث ان :” العوامل النفسية والاجتماعية والمنظومة السياسية الحالية وتفشي الفقر في العراق ساعدت في انتشار ظاهرة عمالة الاطفال” . مضيفاً ان انتشار الاطفال في الشوارع وفي الاسواق التجارية والازقة واشارات المرور يدل على مؤشر خطير جدا ينذر بتحول هؤلاء بالمستقبل القريب الى جيوش فكرية وثقافية خالية من الحضارة والثقافة.

واوضح الكاظمي ان” الحد من هذه الظاهرة يتطلب قرارا عراقيا وطنيا حكوميا ,فضلا عن تشكيل خلية لمكافحة هذه الظواهر من قبل المؤسسات الدينة والثقافية والاقتصادية الامنية والاعلامية كي نتمكن من وضع الحلول من الجانب النفسي والاجتماعي والاقتصادي, وتشكيل مراكز لتأهيل الاطفال ومعاقبة كل من يقوم بالمتاجرة بالأطفال خاصة بعد وجود المافيات والسماسرة الذين يتاجرون بالأطفال لأجل مكاسب مادية”. داعياً المختصين بهذا المجال والجهات الرسمية وغير الرسمية والرعاية الاجتماعية  ووزارة الداخلية ان يلتفتوا لهذه القضية .

اما الخبير القانوني, طارق حرب يقول في حديث له ان:” قانون العمل الذي اصدر  عام 2015 يمنع الاطفال  والاحداث من العمل , فكلاهما ممنوعان من العمل ولا يُقبل تشغيلهما , فالسن المقبول للتوظيف هو 18 سنة باعتبار اي شخص دون ال18 هو شخص غير بالغ ” مبيناً  ان من يخالف القانون من اصحاب العمل الذين يستغلون الاطفال يحالون مباشرة الى  محاكم العمل وهي التي تقرر العقوبات بحقهم.

واضاف حرب ان” قانون العقوبات العراقي يراعي الاطفال والاحداث في مسالة الجزاء والعقوبات فمن يرتكب جريمة وهو لم يصل للسن القانوني وكانت عقوبة هذه الجريمة الاعدام تحول للمؤبد”.

فيما يشير علم النفس الى ان تشغيل الأطفال يولد أثاراً سلبية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، وأن أثر العمل في وقت نشأة الطفل يمتد إلى ما بعد بلوغه لانتهاك مرحلة طفولته. حيث اكد من جانبه الدكتور في علم النفس بجامعة بغداد, سفيان خالد الى ان: ” ترك الطفل للمدرسة والتحاقه بسوق العمل الذي يكون غالبا غير مناسب لعمره ولا لبينته الجسدية سيتحول بالمستقبل الى امراض نفسيه تهدد صحته وسلامته النفسية, فضلا عن الحرج الذي يتسبب به هذا العمل كون ان الطفل يرى اقرانه يكملون تعليمهم ,فضلا إن هؤلاء الأطفال يحصلون على أموال قليلةً جداً مقابل عملهم، الأمر الذي يؤثر عليهم شخصياً وبالتالي سيكون  هذا الطفل عرضة لتقبل اي وسيلة تجلب له اموال اكثر حتى لو كان عمل ارهابي خارج عن القانون”.

يذكر ان لجنة الاقتصاد النيابية العراقية، قد أعلنت في مطلع 2017 أن نسبة البطالة بلغت أكثر من 32 بالمائة من قوى العمل خلال العام الماضي 2016 . وان وزارة التخطيط العراقية تقول إن واحداً من بين كل خمسة أطفال يعمل دون السن القانوني لإعالة نفسه وأسرته، وبحسب الوزارة أيضاً فان أعمار هؤلاء الأطفال الذين يزجون في سوق العمل مبكراً ليزاحموا البالغين، تتراوح أعمارهم ما بين (5 – 14) سنة.

0