التاريخ : 22 يونيو, 2018 | الوقت الان : 2:25 ص
أراء حُرة
الواعظ ومأزق العَلمانية
8 مارس, 2018 | 11:05 ص   -   عدد القراءات: 223 مشاهدة
الواعظ ومأزق العَلمانية


شبكة الموقف العراقي

بقلم : علاء الخطيب.

نقاش يفجره واعظ ديني حول العلمانية وهو يفتح الباب على مصراعيه لمناقشة مصطلح العلمانية كمفهوم سياسي،ويعطي زخماً للتعرف عليه عن قرب، هذا الواعظ يستغل عدم معرفة الشارع بمصطلح العلمانية وماذا تعني وَمَنْ هو العَلماني، هل هو الملحد أو الشيوعي أم المدني؟ ، وهل هو انسان مؤدلج أم انه انسان عادي ، ومن حيث لا يدري الشيخ الواعظ فقد أفاد العلمانيين ومنحهم فرصةً ليزيلوا اللَّبس الحاصل في التعرف عليهم . .

فالشيخ يُعرِّف العَلمانية على هواه وحسب فهمه، فهو يخلط بين العلمانية والالحاد والشيوعية والليبرالية والمدنية .

فالعَلمانية لا علاقة لها بالايمان او الإلحاد، وإنما تعتبر الدين قضية شخصية وان الإيمان بالله علاقة عمودية بين الانسان. والسماء وليست علاقة أفقية يفرضها معتنقوها على المجتمع بالقوة .

أي ان علاقتك مع الله علاقة خاصة، فهناك فصل بين العقيدة والمواطنة وبين الدين والدولة ، فأنت مسلم حينما تكون في المسجد وانت مسيحي داخل الكنيسة وكذا لو كنت يهودياً أو بوذياً أو كونفشيوسياً الخ، وحينما تكون في الشارع فأنت مواطن. خاضع لقانون الدولة، وهذا ينطبق حتى على رجال الدين ، فهم رجال دين داخلاماكن العبادة ومواطنون في الشارع ، وعلى هذا الأساس يمكن تعريف العلمانية بأنها ثقافة قبول الاخر، والمجتمع العَلماني هو مجتمع التعددية الثقافية والدينية مجتمع الاعتراف بالاخر المختلف دون قيود.

فالمواطن العَلماني كما عرفه هنري بينا رويث صاحب كاتب (( ماهي العَلمانية)) اذ يقول::

الانسان العلماني هو فرد من أفراد الشعب الذي لا تميّزه أي حقوق عن الآخرين ولا ترفعه أي مرتبة ليكون أعلى منهم. فلا دور له معترفاً به كمسؤول عن الضمير ولا سلطة له ليفرض على الناس ما يؤمنوا أو لا يؤمنوا به، ولا يمكنه لعب دور محامي الله والمدافع عن الشريعة . أي انه مواطن كبقية المواطنين تحكمه القوانين فهو غير مقدس ولا متميز بعرقه او لونه او وظيفته.

من هنا يمكن أن يكون الفرد العلماني مؤمنا أو ملحدا أو لا أدريا. ومن الواضح أن العلمانية لا تتبنى توجها يمنع التدين أو الإيمان أو يتقاطع معه ، إنما ترفض أي سلطة تنبع من هذا التدين على الآخرين. إذن قضية العلمانية هي مع السلطة لا مع المعتقد الخاص. من حق كل فرد أن يتبنى معتقدا بشرط أن يبقيه في محيطه الخاص ولا يمارس أي سلطة على الآخرين، وهذا يعني ان الدين قضية شخصية بحته كما أسلفنا.

وهنا ينطلق بنا سؤال في غاية الأهمية :

هل يمكن تحقيق المساواة والحرية في مجتمعٍ ما دون تحقيق العلمانية؟

بالتأكيد لا

إن أي نظام غير علماني يقوم على التمييز يتنافى مع المساواة والحرية والعدالة. .

يضرب رويث مثالا بالإتحاد السوفييتي السابق الذي تبنت السلطة الرسمية فيه الإلحاد ودعت له اذ يعتبره نظاماً غير علماني. لانه لا ينظر للملحد والمؤمن بدرجة متساوية.

لهذا لا يمكن أن يتساوى الملحد مع المؤمن في دولة تتخذ توجهاً معيناً وتحاسب على مخالفته كونها تتخذ موقفا منحازا لتوجه دون الآخر. ومن هنا فإن المجتمع العلماني هو المجتمع السياسي الذي يستطيع الجميع فيه أن يعترفوا ببعضهم بعضا، والذي يبقى الخيار الروحي فيه شأنا خاصا.

فالفكر العَلماني يتبنى فكرتين أساسيتين أولا: الفصل بين ما هو مشترك للجميع مثل الوطن والقانون والتعليم العام ، وبين ما يتعلق بالحرية الفردية والمحيط الخاص مثل الدين والمعتقد .

يستهدف هذا التقاسم الإجراء العادل في حق التشريع، ويستثنى من ذلك النشاط الفكري الذي لا تطاله أي رقابة والقناعات الفردية المكتسبة من حرية المعتقد وكذلك أخلاقية الحياة المستقلة في حدود الحق العام الذي يضمن تعايش

الفكرة الثانية: فكرة سيادة الإرادة التي هي أساس قواعد الحياة المشتركة وقواعد الضمير والعقل الذي ينيره على حد سواء، اي انك تمتلك ارادة والآخر يمتلك ارادة فلا يمكن ان ترتفع إرادتك عن ارادة الاخرين .

باختصار هذه هي العَلمانية .

اما ما ذكره الشيخ الواعظ من ان انتشار الإلحاد والابتعاد عن الدين سببه الافكار العلمانية وأطلق عليها بالافكار الملحدة شيء لا يمت للحقيقة بصلة ، فقد خانته الشجاعة أو أعماه التعصب من ان يعتَّرف ان سلوكاته ومَنًْ على شاكتله هي من أوجدت الالحاد واللاادرية ، فهي ردود افعال على افعال مشينة اساءت للروح قبل الدين اساءت للخير قبل كل شيء قبحت الجمال الروحي الذي كان المجتمع يعيش به بسلام ، ولا يفكر بصحته او بطلانه .

الشيخ الواعظ يعيش خارج التاريخ. ولا يدري ان الزمن تغيير وان ما قاله السيد محسن الحكيم مطلع الستينات. قد اكل عليه الدهر وشرب وان أفكار جديدة و وسائل جديدة قد اخترقت كل الزوايا المعتمة وكشفت كل ما هو مستور ومغطى ،

ان العالم اليوم لا يمكن ان يتعايش مع مثل هذه الأفكار ولا يمكن ان يثق المواطن بهكذا طروحات من انها ستؤَّمن الكرامة والعزة مادمت تفهم الولاء على اساس افكارها الخاصة .

ان اعتماد ثقافة رفض الاخر المختلف لا يمكن ان تؤسس حياة ، فلسنا في جزيرة منعزلة عن العالم ، لقد اصبح الانسان مواطناً كونياً والاوطان كونية ، وان فكرة الوطن الافتراضي ستصبح حقيقة ولا مجال لمثل هذا الرجل ان يفرض أفكاره بالتخويف والتهديد ، فأبسط انسان اليوم قادر ان يتعرف عن العلمانية والمدنية أو اي فكرة ببساطة شديدة من خلال البحث في الإنترنيت ، لذا أوجه كلامي للمتنطعين والمتققهين من هم على شاكلة ونمط الواعظ لا تعيشوا خارج التاريخ ولا تطلقوا كلاماً فضفاضاً كالثوب الذي ترتدوه .