التاريخ : 19 ديسمبر, 2018 | الوقت الان : 6:40 ص
نفحات
الفتح المبين في مقاصد نهضة الامام الحسين عليه السلام
1 مارس, 2018 | 12:53 م   -   عدد القراءات: 695 مشاهدة
الفتح المبين في مقاصد نهضة الامام الحسين عليه السلام


شبكة الموقف العراقي

بقلم الشيخ:عدنان الحساني.

في رسالة قصيرة من الامام الحسين الى بني هاشم حينما بدأ بالتجهيز للخروج الى كربلاء جاء فيها (اما بعد…فانه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف عني لم يدرك الفتح والسلام) .
حينما نتتبع هذه الكلمات الشريفة للإمام الحسين عليه السلام نجدها مليئة بالمضامين والمعاني والدروس والمعارف فما اقصرها من كلمة وما اعمقها من معاني .

جعل صلوات الله عليه وهو اولى بالجعل ..جعل جزاء من يلتحق بركبه الشهادة وياله من اكليل تتوج فيه الرجال.. وجعل جزاء من يتخلف عنه الحرمان من بلوغ الفتح واي حرمان هذا الذي يحرم منه المؤمن انه لبلوغ عظيم ما فتئت قلوب الانبياء والاولياء وهي تهفو اليه على مدى الازمان الغابرة .

ويمكن ان نلاحظ في نهضة الامام الحسين صلوات الله عليه انها تنقسم الى حركتين …
الاولى: الحركة المنسجمة وفق المسار الطبيعي للأحداث والمواقف وهو ما ابرزه بشكل واضح مدى استعداد اهل الكوفة للثورة وقلب نظام الحكم ولعل الاف الكتب التي تلقاها الامام عليه السلام من هولاء تشير الى هذا التوجه فكانت حركته تتوافق وسيرة العقلاء وهو سيد العقلاء فما من مصلح يتسم بالحكمة تتوافر لديه شرائط النصر العسكري الظاهري وتتوقف عملية اصلاح الامة عليه الا وهو ملزم بالتحرك واستغلال تلك الجهوزية وفق ما يريده الله تعالى لإرساء الحكومة الدينية الاستخلافية.

بل ان مخالفة مثل هذا المسار واهمال مثل هذه الشرائط لا ينسجم مع عصمته صلوات الله عليه فواحدة من اهم خصائص المعصوم هو امتثاله لتكاليف السياسة الاجتماعية وفق المحددات التي ادت اليها معرفته الشمولية بحقائق الاشياء.
الثانية: وهي الحركة المنسجمة ضمن المسار المعرفي الذي يرتبط بعالم الغيب والمعنى وافاق المستقبل من حيث العلاقة مع مقتضيات السنن التاريخية والتكوينية وهو ما اشار اليه بقوله: (ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح).

ولو اردنا تفسير مراد الامام عليه السلام من الفتح فإننا سنلجأ الى الاستعانة بنظام الاطروحات ويمكن ان نعزو سبب لجوءنا الى هذا النظام المعرفي الى عدة اسباب اهمها:

1- غياب العلة الحقيقية عنا في سبب تسمية الامام لنهضته بالفتح .
2- ان مصطلح الفتح مشترك معنوي ولا يمكن الركون الى معنى بعينه الا من خلال نظام تعدد الاحتمالات .
3- ان مصطلح الفتح مشترك معرفي بمعنى انه تشترك في توصيفه جملة من الحقول المعرفية ففي تفسير القرآن هناك محددات تختلف عنها مما في العلوم العسكرية او مما في الفقه او في التاريخ وغيره.

ولعل في هذه الاسباب كفاية لتفسير سبب لجوئنا الى نظام الاطروحات..
اما الاطروحات التي يمكن ان تنقدح في الذهن فهي كالتالي:

الاطروحة الاولى: المقصود من الفتح هو النصر العسكري المبين كما هو المفهوم عن فتح مكة من قبل النبي ص وهذا غير متصور في حركة الامام ع ويباينه ما ورد في صدر رسالته ع الى بني هاشم حيث قال مصدرا ((من لحق بي منكم استشهد)). اي ان مصير جميع الملتحقين هو الشهادة وهي كما يبدو تباين النصر العسكري الظاهري اذن فلات مجال للأخذ بالأسباب المادية لتفسير المراد من الفتح.

الاطروحة الثانية: ان مراده من الفتح هو المعنى المجازي لهذه الكلمة فالشهادة في منظور اهل المقامات العالية تعد فتحا كبيرا ونصرا معنويا مبينا فالإمام ع كان يرى ان شهادته فتحا ..وشهادة اصحابه تعد نصرا معنويا لهم وهذه الاطروحة وان كانت قريبة من المراد الا انها ليست المراد كله ..فالأمام ع لا ينظر في نهضته الى مقامه وحده ومقام الثلة الطاهرة التي جاهدت معه فقط.. وان كان هناك ما يؤيد هذه الاطروحة منها ما جاء في الرواية)): ان للحسين مقامات لا ينالها الا بالشهادة)) .

لكن يبقى هذا في حدود لحاظ الجزاء للإمام الحسين ع لا بلحاظ الهدف الذي خرج من اجله الامام الحسين ع فالإمام ع اكبر من ان ينظر الى الجزاء الأخروي فقط فنحن نعلم ان عبادته لله ليست من قبيل عبادة التجار وانما هي من قبيل عبادة الاحرار كما جاء عن امير المؤمنين ع والذي قال ايضا) ان جلوسي في المسجد احب الي من جلوسي في الجنة لان جلوسي في المسجد فيه رضا الله تعالى وجلوسي في الجنة فيه رضا نفسي ورضا الله احب الي من رضا نفسي) .

اذن لا يمكن القطع بان المراد من الفتح هو خصوص الشهادة باعتبارها نصرا معنويا يعود اليه شخصيا من جهة المقامات المعنوية في الجنة.

الاطروحة الثالثة: بما ان نهضة الامام وشهادته هي تعبير عن القاء الحجة على الامة بمفهومها الجغرافي والتاريخي خصوصا وان الثائر هو بمقام المثل الاعلى والحجة على اهل الدنيا فبهذين اللحاظين اي لحاظ التكليف الحجة ولحاظ النموذج الحجة او قل لحاظ الحركة من جهة والمتحرك من جهة اخرى سوف تكون ثورته فتحا تكليفيا ملزما لكل من يرى في نفسه القدرة على الاصلاح في الامة اذن فهو فتح تشريعي فتح الباب امام الثائرين والمصلحين وحجتهم في ذلك سيرة الامام الحسين عليه السلام وهذا هو الفتح.

الاطروحة الرابعة: ان الفتح المشار اليه المراد منه هو النصر المؤجل باعتبار ان النهضة الحسينية تشكل مقدمات وجودية للفتح المستقبلي والفتح هو عبارة عن المكاسب المعنوية والرسالية الكبيرة التي حققتها النهضة الحسينية على طول التاريخ ويؤيد هذا المعنى ما اشار اليه الكتاب الكريم في قضية صلح الحديبية فانه عبر عن هذه الواقعة بانها فتح مبين قال تعالى: { انا فتحنا لك فتحا مبينا} .
وهذه الاية نزلت بمناسبة صلح الحديبية في حين ان صلح الحديبية اعتبره بعض الصحابة تنازلا كبيرا على حساب المبدأ والدين وهو ما عبر عنه عمر بن الخطاب في تسجيل اعتراضه حينما قال: ((انعطي الدنية من انفسنا او في ديننا يا رسول الله)) …وهو بالتأكيد غافل او متغافل عن المصالح الكبرى التي كان يتوخاها النبي ص من هذا الصلح الذي عبر عنه القرآن بالفتح المبين.

الأطروحة الخامسة: ان المراد من الفتح هو كل هذه المعاني السالفة مضافا الى النصر العسكري الظاهري ولو بمستوى القراءة الاولية للامام الحسين ع حيث من الممكن انه كان يقرأ من معطيات الساحة ان النصر العسكري ممكن وبالتالي سيؤزر خروجه بالفتح وهو قد وقع بمستوى من المستويات على الساحة ويدل عليه انهزام معسكر ابن سعد مع كل حملة لأصحاب الحسين ع بل يكثرون فيهم القتل حتى ان الواحد منهم يقتل العشرة والعشرين وهذا بحد ذاته نصر عسكري بالمقاييس العسكرية غاية الأمر ان عدم التكافؤ العددي ادى الى حسم المعركة لصالح الاعداء عسكريا فلو كان التكافؤ متحققا ولو بمستوى المنظور القرآني لكان النصر حليف معسكر الحق يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} .ومن الواضح ان هذه الية مناسبة للانطباق على اصحاب الحسين ع ولا تنطبق عليهم اية التخفيف لان هممهم عالية اي لا ينطبق عليهم قوله تعالى :

{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

لان هذه الآية على سبيل الرخصة لا على سبيل العزيمة .
ولكن عند مناقشة هذه الاطروحة فأنها قابلة للنقاش لعدة امور:
1- الشطر الاول من صدر الرسالة يشير الى عدم امكانية تصور الحسم العسكري لصالح معسكر الحق.
2- ان هذه الاطروحة مبنية على التحليل التعبوي من جهة وعلى التنظير الفقهي من جهة اخرى وكلا هذين المجالين لا يمكن ان نستنطق من خلالهما مدلولات مفهوم الفتح ومراد الامام الحسين ع من ذلك وان كانت على مستوى الاحتمال المعتد به.

الاطروحة السادسة: ان الفتح المراد منه عند الامام الحسين ع هو اسقاط مشروعية كل الحكومات سواء الكافرة منها او الظالمة والتي اسست حكوماتها على حساب حكومة الحق الالهي ويعد هذا الاسقاط مقدمة وجودية للفتح العالمي والذي لا زالت طلائعه الرسالية الى الان مستدامة ببركة دماء الحسين ع فجميع الحركات الرسالية والنهضات الثورية هي استمرار وامتداد لحركة الفتح الاولى والتي ستكلل بالفتح العالمي التام على يد مهدي هذه الامة ع اذن فالإمام المهدي عج قائم متحرك في كل زمان وكما جاء عنهم انهم كلهم مهديون فالفتح المشار اليه المراد منه هو الفتح المهدوي او هي الانطلاقة الاولى باتجاه الفتح المهدي هذه الانطلاقة الاولى قائدها الامام الحسين ع.
ومن المعلوم ان شعار الامام المهدي اثناء تحركه هو يالثارات الحسين اي ان حركة الامام المهدي عج هي تتميم لحركة الامام الحسين ع ويؤيد هذا الرأي ما نراه من الوحدة في الهدف بين الحركتين اي الاصلاح…

اذن فنحن لا زلنا نعيش امتدادات الفتح الحسيني ومعطياته المباركة فلولا ذلك الفتح لما بقي للإسلام باقية

0