التاريخ : 22 يونيو, 2018 | الوقت الان : 2:26 ص
منوعــات
الإحساس بالجمال
20 فبراير, 2018 | 3:07 م   -   عدد القراءات: 366 مشاهدة
الإحساس بالجمال


شبكة الموقف العراقي

قد يظن البعض ، ان الحديث عن ( الجمال ) يكون من باب الترف ، لاسيما في مثل هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الكثير من شعوبنا بسبب العنف والفساد ، ولكن عند التمعن و النظر الى أبعد من النتائج الطافية على السطح ، والتي لا تعطينا حقيقة ما يجري ، و إنما علينا و الإهتمام بالآليات غير المنظورة ، عندها سنجد ، ان الأسباب العميقة هي المحرك الحقيقي لكثير من الكوارث والمصائب التي أنهكتنا ، ومن بين الأسباب العميقة للعنف والفساد ، هو غياب ( الإحساس بالجمال ) لأن من يحس بالجمال و يعشقه لا يمكن ان يميل الى القبح والبشاعة ، فالحب احساس بالجمال ، فالمحب لايمكن ان يكون قاسياً مؤذياً ، و الفضيلة من الجمال ، و محب الفضيلة لايكون فاسداً . فالإحساس بالجمال و حب الجميل ، سِرُّ الإرتقاء بالإنسان ، فالله تعالى وصف نفسه بالجميل ( الله جميل ويحب الجمال ).

( إذا ما انحرف الانسان وأنتكست أخلاقه ، فعلى الجمال أن ينقذه ).

لاشئ غير الجمال بقادر على أن يجعل العالم بأسره سعيدا ) ” الفيلسوف والشاعر فردريك شيلر ” “

ليس من باب المصادفة أو المجاملة ان يطرح هذا المفكر والشاعر الكبير ، مقولاته هذه . فالاحساس بالجمال يسمو بالانسان و يهذبه ، و من هذا المنطلق أكد ( كونفيشيوس ) ، على أن الإنسان الذي لا يمتلك القدرة على إدراك الجمال و تذوقه ، لا موضع له في المجتمع.

لذلك لايمكن تصور الخير منفصلا عن الجمال ، فالجمال فعل وسلوك وصيرورة للوصول الى الخير . ولا يتحدد الخير بنتيجة الفعل بل الفعل ذاته ( أي الجمال ) فهو الخير لما يحققه من كمالات لذلك الشئ .

ويذهب الفيلسوف ( نيتشه ) الى أهمية تأثير القبح والجمال على الانسان وطاقاته النفسية و الروحية ، حيث يؤكد :

( بإمكاننا أن نقيس مفعول القبح ، فحيثما يغدو المرء منهاراً، يستشعر حتمًاً أنه قُربَ شيء قبيح. فإحساسه بالقوة، وإرادة القوة لديه، وشجاعته ونخوته كلها تنهار مع القبح، وترتفع مع الجمال …) …

ما أعظم هذه الملاحظات من فيلسوف كبير كـ ( فردريك نيتشه ) . إذن الإحساس بالجمال يمنحنا الطاقة الإيجابية لكي نبدع و نعمّر الأرض التي أوكل الله تعالى إعمارها الى الإنسان . على عكس ( القُبح ) الذي تنهار أمامه شجاعتنا و نخوتنا ، حتى يستلمنا العنف والفساد .

وقد إلتفَتَ بعض علماء المسلمين الى أهمية الجمال وتأثيره على نفوسنا وسلوكنا ، فهذا العالم أبو حامد الغزالي يرى أن الجمال ينقسم إلى قسمين، إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس, وإلى جمال الصورة الباطنية المدركة بعين القلب و نور البصيرة .

أما (ابن القيم الجوزية) فيرى أن الجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو؛ جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة وهذا الجمال الباطن يزيد الصورة الظاهرة وأن لم تكن ذات جمال.

وليس بالمستغرب ان تجد في ثنايا شروح الفارابي عن الله خطاً فلسفيا عن الجمال، والخط نفسه تلاحظه عند الفيلسوف ابن سينا الذي تبنى وجهة نظر الفارابي وطورها. ومتى ما طُرد الجمال من ثقافة الإنسان، عندها يبدأ التصحر القاتل زحفه نحو كل مفردة من مفردات هذا الانسان وكل ما بناه وتبناه من قيم وديانات ومبادئ خيرة، فيصبح الدم المسفوح ظلما هو المعادل للحبر الذي ينشر كلمة طيبة أو يبني صرحا فنيا جميلا، وتضحى الأشلاء البشرية المتناثرة هي المقابل لانتشار الألوان والخطوط والزخارف على خزفيات ولوحات وجداريات تسبّح للجميل المبدع الخلاق، ويصبح الدين المختطف والذي أزهقت روحه هو البديل لدين الرحمة والمروءة والجمال.

الفن والجمال… الفن بوصفه ظاهرة نوعيه وكيفيه لا يمكن للجميل ان يقاس فيه بالكم بل بالكيف ، ومعايير الجميل فيه تخضع لعوامل ذاتية وموضوعية معاً .

ومسيرة الفن ، لها علاقة وثيقة بتطور الحس ألجمالي للإنسان ، والجميل قائم أساسا على العلاقة التطورية بين الشكل والحاجة الجمالية . وقد إلتفتَ الإنسان الى ان الفن وسيلة طيعة للإرتواء الجمالي والفكري ، ومهما كان الموضوع الذي يتناوله فانه لابد ان يقدم الفكرة بطريقة جميلة ، وإحساس الفنان الجمالي هو الذي يقوده نحو استيعابه للاشكال والكيفية التي تظهر بها ، فيعول على ذخيرته الفنية ليبدع ما هو جميل ليقترب من كون الفن هو التثمين الجمالي للظواهر والاحداث والصور الخيالية ، وحتى الفنان الذي يكون هدفه الأول محاكاة الطبيعة ، فان احساسه الفني والجمالي يدفعانه نحو الابتعاد عن هذه المحاكاة ، ليصل الى خلق المرئي لا نسخه ، مما يجعله يكثف مظاهر الطبيعة بطريقة معينة ويختار اجزاء معينة ، ويحذف ويضيف بما يجعل العمل الفني مكتملاً جميلاً .