التاريخ : 24 مايو, 2018 | الوقت الان : 11:08 ص
نفحات
الاعفاء والاخفاء في مظلومية السيدة الزهراء (صلوات الله عليها)
31 يناير, 2018 | 2:51 م   -   عدد القراءات: 662 مشاهدة
الاعفاء والاخفاء في مظلومية السيدة الزهراء (صلوات الله عليها)


شبكة الموقف العراقي

بقلم :المفكر والباحث الاسلامي الشيخ “عدنان الحساني”

ترتبك القيم والمبادئ التصورية والتصديقية عندما تتصل بسيرة سيدة النسوان وحجة الله على الانس والجان فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ذلك ان علم التاريخ بمبادئه الاولية يحتاج الى قراءة ثابتة وان كان قد يتسامح في قيمة المقتضيات العلمية للحادثة باعتبار ان التاريخ يعتمد بشكل اساس على الذاكرة التداولية وليس على القيم المنطقية للعلم…

يهمني هنا ان الفت عناية القارئ الى قضية شغلت بال الباحثين في مجال المناقبيات وهو ان المناقب عادة ينظر اليها من زاويتين :

الاولى: تأثير ذو المناقب في حركة المجتمع والبيئة والمحيط بشكل فعلي غاية في الايجابية والاندماج الامثل مع تطلعات المجتمع والضرورات البناءة في التاريخ وتجسيد القيم الفاعلة في حركته..

الثانية: تلمس الاثار الغيبية والتكوينية والشؤون الوجودية الماورائية او استظهارها من خلال النص وتجلياته المعنوية او الشخص وتجلياته النورانية وكراماته وصفاته الاعجازية .

وحينما يدرس المناقبيون حياة السيدة الزهراء فهم ينطلقون اما من مبادئ ذات مناشئ مذهبية او ذاتية وبالتالي لايصلون الى حدود موضوعية في استجلاء شخصية السيدة الزهراء عليها السلام..

اقصد ان ثمة طائفة منهم تتعامل مع سيرة السيدة الزهراء من وجهة نظر تنسجم مع الزاوية الاولى فقط فتضطرهم الحدود العمرية والظروف التاريخية لحياة السيدة الزهراء صلوات الله عليها الى اختزال الكثير من شؤونها المناقبية مع ان هذه الرؤية حتى لو انها لم تغفل عن النصوص الواردة في مقامات السيدة الزهراء ع الا انها تفسرها وفق مقاربات اما لغوية صرفة او تاريخانية محدودة ولايقبل اصحاب هذه الرؤية التجليات الباطنية والمعاني الغائبة والانزياحات الماورائية للنص..وحتى لو قبل هولاء بعض المعاني الغيبية والماورائية فانهم يحاولون انتزاع صبغة العصمة (بمعناها الشيعي الذي هو ترك الاولى) التي لاتلائم مبانيهم المذهبية والكلامية من ذلك ماورد عن الثعلبي في تفسيره، وابن المؤذّن في الأربعين بإسنادهما عن جابر… إلى أن قال:

 (سألتْ(عليها السلام) رسول الله(صلى الله عليه وآله) خاتماً؟ فقال: ألا اُعلّمك ما هو خير من الخاتم؟ إذا صلّيتِ صلاة الليل فاطلبي من الله عزّ وجلّ خاتماً فإنّكِ تنالين حاجتك. قال: فدعت ربّها تعالى، فإذا بهاتف يهتف: يا فاطمة، الّذي طلبت منّي تحت المصلّى، فرفعت المُصلّى فإذا الخاتم ياقوت لا قيمة له، فجعلته في إصبعها وفرحت، فلمّا نامت من ليلتها رأت في منامها كأنّها في الجنّة، فرأت ثلاثة قصور لم ترَ في الجنّة مثلها، قالت: لِمن هذه القصور؟ قالوا: لفاطمة بنت محمد. قال: فكأنّها دخلت قصراً من ذلك ودارت فيه، فرأت سريراً قد مال على ثلاث قوائم، فقالت(عليها السلام): ما لهذا السرير قد مال على ثلاث؟ قالوا: لأنّ صاحبته طلبت من الله تعالى خاتماً فنزع أحد القوائم وصيغ لها خاتم وبقي السرير على ثلاث قوائم، فلمّا أصبحت دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقصّت القصّة.

فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله): معاشر آل عبد المطّلب، ليس لكم الدنيا إنّما لكم الآخرة، وميعادكم الجنّة، ما تصنعون بالدنيا فإنّها زائلة غرّارة، فأمرَها النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن تردّ الخاتم تحت المصلّى، فردّته، ثمّ نامت على المصلّى، فرأت في المنام أنّها دخلت الجنّة، فدخلت ذلك القصر ورأت السرير على أربع قوائم، فسألت عن حاله؟فقالوا: ردّت الخاتم ورجع السرير إلى هيئته).

نفهم من هذه الرواية التي قد لاتصمد امام التشدد السندي والدلالي على شرط المعايير العلمية لدى اتباع مدرسة اهل البيت ع ان السيدة الزهراء لها ميول دنيوية وهذه الميول من الواضح انها اثرت على مقاماتها ومناقبها الاخروية بمقتضى مافهمناه من الرواية وحتى لو انها رجعت عن تلك الميول كما هو مؤدى الرواية الا ان المقصود منها سلب العصمة المطلقة عنها وانها قد تميل الى الدنيا وتترك ماهو اولى لها واوجب..

لذلك اختفت عند هولاء بل وأخفيت لديهم الكثير من المقامات والقيم السامية للسيدة المظلومة صلوات ربي وسلامه عليها.

وثمة طائفة اخرى اقرب الى التقوى واعدل الا انها ايضا وقعت في محاذير متطرفة اما تقصيرا بحقها صلوت الله عليها او وغولا في مغالاة لا طائل من ورائها..

اما مقتضيات القول بالتقصير فهي الاصرار على تبني الرؤية الاولى ولكن بشكل اكثر عمقا بحيث ينسجم مع مقولة التكليف العقائدي والشرعي والتوسل بتلك القيم المعيارية والتاريخية التي احاطت بسيرتها عليها السلام من اجل توظيفها للاحتجاج بها كمقاربة في تحديد الوظائف العملية والشرعية والايدلوجية العامة..

ولعل هولاء يتمسكون بالحجية الارشادية والولوية دون الحجية المقامية باعتبار ان المقامات تختفي خلف النظام المعياري للتكليف في سياق ظرف الاجتماع فهذا الظرف هو النطاق الذي يجب ان نؤطر اهتماماتنا به من حيث الرؤى العملية (السياسية والاجتماعية) اما المقامات الوجودية فهي تقع في نطاق المقولات المناقبية الصرفة التي لاتؤثر في صميم الحركة الاجتماعية في مقام العلم والعمل من جهة كما انها لا تتكيف مع ادوات الاستكشاف والتفسير المتوفرة فتبقى في سياق مانؤمن به من نصوص موكول تفسيرها الى قائليها سلام الله عليهم اجمعين..من قبيل النصوص التي تتحدث عن (السر الفاطمي) او (المعرفة الفاطمية الاولى) او (انفطام الخلق عن معرفتها) او (اللولائية الفاطمية) وغيرها..

الا ان هولاء لم ينتبهوا الى الجنبة المفتاحية التي تبرزها الحجية المقامية للسيدة الزهراء عليها السلام وهي ذات الجنبة التي يتمسك بها الوسطيون لاثبات نظريتهم في شؤون المقامات والولاية التكوينية للمعصومين عليهم السلام..

اما الطائفة التي تطرفت الى اقصى اليمين وتوغلت في الغلو المقامي اخذت بهذه النصوص مآخذ تخطت من خلالها حاجز (السرية والاستصعاب) وهو الحاجز الذي وضعه اهل البيت عليهم السلام  كحد محدود امام الغلاة والمتصرفة الذين يتصرفون بالنصوص على وفق مشتهياتهم وبما يجنح به واليه مخيالهم العاطفي..فتغيبت بين الناصبين والمقصرين والغلاة حقيقة السيدة فاطمة سيدة نساء العالمين حقيقتها في النظام المقامي المفتاحي ومؤثريتها المفتاحية في النظام التقنيني المعياري..

اما الوسطيون فليس امامهم سوى الانتظار والتسليم بمبدأ الرجعة الذي سنكتشف من خلاله كل تلك المقامات الغيبية حضورا وشهادة من دون ان نجنح بمخيالنا اللامنضبط والذي عاد على الغلاة بمزيد من التخبط الذي لاطائل عملي من وراءه سوى افتتان اصحاب القلوب الجامحة والعقول الضعيفة وانا لله وانا ايه راجعون..