التاريخ : 22 يونيو, 2018 | الوقت الان : 8:39 ص
نفحات
الاعتبار ومشائية المعرفة …منهج قراني اصيل
30 يناير, 2018 | 10:56 ص   -   عدد القراءات: 603 مشاهدة
الاعتبار ومشائية المعرفة …منهج قراني اصيل


شبكة الموقف العراقي

اعداد : الباحث والمفكر الاسلامي “الشيخ عدنان الحساني”

منذ ان وجد الانسان ارتبطت معرفته للأشياء بقنوات عديدة وبأساليب متعددة ولعل واحدة من اهم اساليب المعرفة هو المشاهدة والاطلاع عن قرب من خلال المشي والسير ومع تطور مدارك الانسان وتعمق تفكيره بدأ يتحول في تنويع مستويات هذا الاسلوب حيث انتقل به من المشي والمسير المادي الى المشي والمسير العقلي فتأسست المدرسة المشائية على يد ارسطو حيث اوجد علاقة بين المشي المادي والتأمل في تبدل المشاهد المطوية في افق الزمان والمكان وبين المشي العقلي والتأمل في تبدل الافكار وتطورها في افق الجزئي والكلي فكان يأخذ بيد طلابه ويمشي معهم المسافات لتبادل الافكار وطلب الاعتبار..

ومع دخول الدين كمنهج اساسي في مسيرة الانسان وسلوكه كان للسير والمشي فلسفة اخرى ترتبط بالروح والمعنى من جهة والاعتبار والعظة من جهة اخرى اما الجهة الاولى فقد اوغل فيها المشرب الصوفي والعرفاني الى درجة كبيرة ومتقدمة واما الجانب الاخر فكان للتبليغ الرسالي اثرا واضحا في تحريك دالة الاعتبار والموعظة من خلال التوسط بين لحاظ الفرد المؤمن والمشهد الحضوري للحادثة او الموقف الواقع في طريق السفر سواء بالعرض او بالقصد والهدف..

لذلك نجد ان القرآن الكريم اكد في عشرات الموارد على اهمية السفر المادي للوصول الى مطاوي السفر المعنوي من خلال الاعتبار بالمشاهد الجغرافية والتاريخية ومن خلال التأمل بالأحداث والقيم التي رافقت تلك الاحداث والنماذج التاريخية…

يقول تعالى: مسير بلا تحديد.{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
وهذا النوع من المسير هو من اجل ان يتوجه الانسان من دون تعيين الى قيم التاريخ وما آثر عن الامم السابقة ان حسنا بحسن او سوءا بسوء..

وهناك اكثر من معنى استطاع القرآن ان يركز من خلاله ابعاد السير المادي والمعنوي للإنسان كما في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ..

فهذه الاية الشريفة تعالج مدارك الانسان وحواسه الادراكية من اجل تعديل مزاياها السلبية والتحول بها نحو خصائص الاعتبار السليم والمنتج من خلال التدبر في معاني الاحداث الارضية والوقائع التاريخية ..

يقول تعالى في نفس المعنى المشار اليه اعلاه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

كما ان الكتاب الكريم عالج الابعاد النفسية للمشركين الذين اتخذوا من تكذيب الانبياء اسلوبا وحيدا لرد الدعوة بل اسلوبا في رفض جميع القيم الاخلاقية والانسانية التي جاء بها الانبياء فراح القرآن يوجه عنايتهم الى من ماثلهم من الامم المكذبة التي سبقتهم يقول تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .

ويقول تعالى:{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ويقول عز وجل :{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .

وحينما تمترس المعاندون من المشركين بقيم المادة والقوة للرد على شرائع السماء جاء الكتاب الكريم ليلفت انتباههم الى ان مثل هذه القيم لاتصمد امام سنن التاريخ وحركة المجتمع وتبدلاته فعليكم ان تعتبروا بمن سبقكم ممن تدرع بالقوة والمادة وغلبة الاتقان الحضاري يقول تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم : 9]

ويقول عز وجل {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [الروم : 42]

ويقول تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر : 44]

ويقول تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [غافر : 21]

ويقول عز وجل في مقام اخر:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [غافر : 82]

ويقول تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد : 10]

وهناك ثمة معنى اخر لمعاني السير والسلوك هو ما يرتبط بالمعنى الرسالي المقاصدي حيث يستهدف المؤمن من خلاله الوصول الى المعاني الرسالية للاعتقاد من خلال استهداف النموذج الامثل الذي يشكل امثولة الرسالة ويجسد كل ابعادها ومعانيها السلوكية والدينية والاخلاقية والمعرفية وهو الامر الذي تجسد بحقيقته في مسيرة الاربعين العظيمة حيث تعبر هذه المسيرة عن اعلى قيم البناء الحضاري للإنسان السالك عن طريق التوسل بالمشي والمسير فالسائر نحو الحسين عليه السلام انما يسير بعقله ويمشي بوجدانه ويسلك بروحه من اجل ان يصل الى المحبوب ليزداد منه وصالا وينتفع من ذلك المسير العديد من مزايا النهوض بالنفس والتحول نحو القيم السامية العظيمة يقول تعالى: {

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} .. فان بيننا وبين كربلاء وهي القرية التي بارك الله فيها قرى ظاهرة تحتاج منا ان نكون على قدر المسؤولية في تحقيق قيمة الاعتبار والارتباط بالعبرة والتزود للهدف وهل ثمة هدف اعلى شانا من الوصول الى الحسين باب الله الذي اليه يتوجه الاولياء.