التاريخ : 24 أكتوبر, 2019 | الوقت الان : 7:24 ص
تقارير خاصة
إخضاع العالم للمنطق السوري
29 فبراير, 2016 | 3:50 م   -   عدد القراءات: 327 مشاهدة
إخضاع العالم للمنطق السوري


شبكة الموقف العراقي

بعد خمس سنوات من العدوان على سوريا، ” يُصارح” الرئيس الأمريكي مجلس أمنه القومي أو يسارره أو يعلن له اكتشافه العميق، بأنه في سوريا تجري حربٌ إقليمية بالوكالة، وهو يقصد حرب سعودية تركية من جانب وإيرانية روسية من جانبٍ آخر، وكهامش فهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تزال لا تعترف بروسيا كقوة دولية عُظمى، أما اللُب فهو تنصلٌ من مسؤولية بلاده عما جرى ويجري في سوريا، باعتبارها ليست طرفًا إقليميًا، إنما قوة دولية عظمى تسعى بكل الوسائل للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ومكافحة الإرهاب، ولو أن كاتبًا نِحريرًا يقبض راتبه بمكيال نفطي، إنطلق في تحليله للعدوان على سوريا من كونها حربًا إقليمية بالوكالة، معتبرًا أن السعودية طرفٌ محارب، لاعتبرناه تزلفًا يوازي حِمل بعيرٍ من نفط، ولكن حين يقوله من بأخمصه جلالة القرار السعودي، فهو يعني أمرًا واضحًا باستمرار العدوان، خصوصًا أنها تأتي عشية إعلان الاتفاق على وقف النار، فهي كثغرةٍ قانونية في جدار الالتزام الأمريكي بالاتفاق، حيث أنها ليست طرفًا في الحرب وإنما مجرد وسيط لدى متحاربين إقليميين وإن كانوا “حلفاء”.

يأتي هذا التشخيص الكاذب لأوباما متزامنًا مع تصريحات لوزير خارجيته جون كيري، عن الخطة “ب”، في حال فشل اتفاق وقف النار، والخطة “ب” تعني كما يُستنتج من تصريحاته في غير موضع عن تقسيم سوريا، حين قال بأنّ البديل لفشل الإتفاق هو التقسيم، فيما ربط فشل الاتفاق ببقاء الرئيس الأسد، وليس بالتزامه من عدمه بالاتفاق، وهذه الخلطة العجيبة من تصريحات على قارعة اتفاق لم يجف حبره بعد، تشبه خارطة طريق أمريكية لـ”حلفائه” بمواصلة العدوان ولنفس الأسباب ولمحاولة الوصول لنفس الأهداف وإن تغيرت الأدوات والوسائل وقوانين اللعب. هناك من يعتقد أن هذه التصريحات الأمريكية تأتي في خانة مواساتها لأتباعها، وليس لها أي مفاعيل في واقع الاتفاق، وهناك من يضعها في خانة التردد أو التخبط الأمريكي، حيث أنها تقول الكلام ونقيضه في ذات الوقت، ولكن الحقيقة أن الولايات المتحدة ما زالت ترى في التقسيم هدفًا وغاية، ولا تقبل ولن تقبل بسواه تتويجًا لحربها على المنطقة، لكنها تريد تقسيمًا بعيدًا عن دماء المارينز والخزينة الأمريكية، ولكن كيف السبيل إلى حربٍ إقليمية تقسيمية دون الجيش الأمريكي، وهي حرب محسومة النتائج سلفًا، بهزيمة تركية سعودية ماحقة وسريعة.

حين بدأت في قراءة بنود الاتفاق المعلن لوقف النار، لم يخطر في بالي رغم العين القانونية سوى الزَبْرَقان بن بدر، حين هجاه الحُطيئة فشكاه للخليفة عمر بن الخطاب، ولأن بيت الشعر ظاهره المديح، فقد استعان الخليفة بشاعر النبي حسان بن ثابت كمفسر، فقال حسان “لم يهجُه يا أمير المؤمنين لكنه سَلَحَ عليه”، أي قضى حاجته عليه، فيبدو من ظاهر الاتفاق أنه التزاماتٌ لأطرافٍ متكافئة، حيث وضع الاتفاق ما تُسمى بـ”المعارضة” المعتدلة بموازاة الدولة السورية كطرف، وألزمهما الاتفاق بوقف النار وعدم السعي لكسب أراضٍ جديدة عبر انتزاعها من أطرافٍ مشاركة بالاتفاق، كما ألزمهما الاتفاق بالرد على الخروقات بشكل متناسب، ولكن باطن الاتفاق اعتبر أن وجود كل القوات الحليفة لجيش الجمهورية العربية السورية هو وجود شرعي وبمظلة دولية، وقد يكون هذا تفسيرًا للسعار السعودي خصوصًا والخليجي عمومًا للتصويب على حزب الله من خلال بروباغندا إعلامية، في محاولة لتصنيفه عربيًا ودوليًا في خانة الإرهاب. فالاتفاق لم يستثنِ أي طرفٍ يقاتل إلى جانب جيش الجمهورية، فيما استثنى داعش والنصرة وتنظيمات إرهابية أخرى يحددها مجلس الأمن، وبما أن تحديد مجلس الأمن خاضع لاتفاق أطراف التفاوض في جنيف، فإنه لن ينجو من هذه القائمة إلا الشذرات، وبما أن داعش والنصرة هما العمود الفقري للرهان الأمريكي قد استثنيتا من الاتفاق، وبالنظر إلى خارطة تواجدهما وما تشكل تلك الجغرافيا من ثِقل، يبدو أن الاتفاق سَلَحَ على أعداء سوريا جميعًا. 

رغم أن الاتفاق يصب في المصلحة السورية أينما وكيفما تفسرت بنوده، لكن هذا لا يعني أنه سيكون سهل القطاف، ففي أول يوم من دخوله حيز التنفيذ، استمر إعلام النفط بتوجيه الاتهامات للجيش السوري والطيران الروسي بخرق الهدنة وعدم الالتزام بها، حيث يعتبر هذا الإعلام أن كل غارة هي خرق للهدنة حتى لو استهدفت داعش والنصرة، فتغيبان عن المشهد تمامًا، ولكنهما فجأة تبرزان إلى السطح حين يعلن التحالف الأمريكي عن غاراته، فيتم التأكيد على أنها غارات استهدفت مواقع داعش، فيما الجيش السوري لا يستهدف إلا المدنيين كما هو حال الطيران الروسي تخصص مستشفيات ومدارس وأسواق. وبما أنّ الحرب على الإرهاب ستستمر بلا هوادة، والإرهاب هنا بمنطق الدولة السورية لحين صدور قوائم التصنيف الأممية، مع مراعاة سياسية لبنود الاتفاق، مثل أن يتم تجنب مهاجمة مئة فصيل أعلنوا التزامهم إن استطاعوا اثبات مناطقهم وتقديم احداثيات تواجدهم لقاعدة حميميم، فقد صدر مرسوم رئاسي سوري بإجراء انتخابات برلمانية في شهر نيسان، وهو ما اعتبره البعض تعارضًا وخلافًا سوريًا روسيًا، وبغض النظر عن ذلك صح أم لم يصح، فهو منطق الدولة السورية التي أعلنه الرئيس الأسد منذ بدايات العدوان، رفض التقسيم والتوازي بين الإصلاح السياسي ومحاربة الإرهاب، وتزامن القرار الدولي مع المرسوم الرئاسي هو إخضاع العالم للمنطق السوري شاء أم أبى.

0