التاريخ : 24 يناير, 2018 | الوقت الان : 4:24 ص
تقارير خاصة
مراجع الدين في العراق .. ثوار على مرّ التاريخ العراقي..تاريخ مشرق
23 ديسمبر, 2017 | 10:44 ص   -   عدد القراءات: 158 مشاهدة
مراجع الدين في العراق .. ثوار على مرّ التاريخ العراقي..تاريخ مشرق


شبكة الموقف العراقي

ربما أن الجيل الحاضر يسمع بالكثير من الثوار في العالم كجيفارا وكاسترو وغاندي وغيرهم أكثر مما يسمع بالثوار العراقيين وخصوصاً مراجع الدين الذين تصدوا للعديد من محاولات الاستعمار على العراق والأراضي الاسلامية الاخرى وبفضل فتاواهم المهمة والحساسة وتداركهم للمواقف بل بحضورهم في ساحات النزال استطاعوا أن يحركوا المشاعر ويلهبوا الهمم في مواجهة القوات الغازية والمحتلة ويساهموا في اخراجها من الاراضي الاسلامية في مختلف الحقب وشتى الجبهات.

والعراق بالخصوص ولاعتبارات عدة كان محط انظار الدول الاستكبارية وخصوصاً الاستعمار الانجليزي الذي كانت له أطماع عديدة في أرض الرافدين ولكن لم يكن يعلم بأن هناك قوة في هذه الأرض تزلزل الأرض تحت أقدامه لو حاول أن يدوس على ترابها، إنها قوة العقيدة والولاء والسير خلف القيادة الدينية الحكيمة.

من هنا كانت البداية

قبل اعلان الحرب العالمية الاولى في عام 1914م، كانت بريطانيا قد استكملت اجراءاتها في ترتيب مقدمات غزوها لمنطقة الخليج من خلال عقد عدّة اتفاقيات مع الشيخ مبارك والشيخ خزعل وعبد العزيز بن سعود، لكن المشكلة التي واجهتها هي موقف علماء الشيعة من احتلال العراق، حيث كانت بريطانيا تدرك أن الشيعة لا يمكن أن يتقبلوا الاحتلال البريطاني، وذلك من خلال المواقف التي تبنوها إزاء الاحتلال الاستعماري للأقاليم الإسلامية، وتصديهم لأي محاولة استعمارية تستهدف كيان المسلمين السياسي. لكن هذا المسمى لم يؤثر على الموقف الشيعي شيئاً، فقد اسرع علماء الدين الشيعة إلى اعلان الجهاد فور تعرّض العراق لهجوم القوات البريطانية.

وقبل ان تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوات البريطانية في بومبي بالتحرك نحو المياه الخليجية والمرابطة في البحرين، وبعد اعلان الحرب تقدمت القوات البريطانية نحو العراق في 14 تشرين الثاني 1914م/ 25 ذي الحجة 1332هـ فاحتلت الفاو.

انطلاق الشرارة الاولى

بدأت حركة الجهاد في العراق في 9 تشرين الثاني 1914م لمداهمة الجيوش الانكَليزية الغازية من جهة البصرة، والتي تعلن بخطر الغزو الانكَليزي للسيطرة على ثرواته وخيراته، والاستيلاء على شؤونه ومقدراته، وبعد ان أحسّ العراقيون بالخطر المحدق، وشعروا بما سيحيق بهم من الكوارث إذا تمكن عدوّهم من السيطرة والاستيلاء، وما سيجرّه ذلك عليهم من المحن والفتن، استغاثوا برجال الدين في العتبات المقدسة (النجف، كربلاء، الكاظمية) ومختلف البلدان العراقية، ببرقيات يطلبون فيها منهم أن ينهضوا بالأمر ويعلنوا الجهاد المقدس والنفير العام، ورد في بعضها ما نصّه: (ثغر البصرة، الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الاسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع).

فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع عن كل مسلم، وابرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة، ثم توالت الاجتماعات، وألقيت الخطب المثيرة. ففي الكاظمية، رقى المنبر السيد مهدي الحيدري، فوعظ وحرّض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب. أما النجف فقد وصلها وفد من بغداد مؤلف من بعض الشخصيات المحترمة كمحمد فاضل باشا الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار وغيرهم لمحادثة المجتهدين الكبار في هذا الأمر.

ولدى وصولهم استقبلوا بحفاوة بالغة، ثم عقد اجتماع حافل في جامع الهندي حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر، وخطب فيه السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة في دفع الكفّار عن بلاد الإسلام.

بعد ذلك ذهب الشيخ حميد الكليدار إلى الكوفة لمقابلة المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي وعرض أمر الجهاد عليه، فوافق السيد اليزدي على ارسال ولده السيد محمد لينوب عنه في استنهاض العشائر للجهاد.

وفي 16 كانون الأول 1914م صعد اليزدي المنبر في الصحن الحيدري وخطب في الناس خطبة حثّهم فيها على الدفاع عن البلاد الإسلامية، وأوجب على الغني العاجز بدناً، ان يجهّز من ماله الفقير القوي. فكان لكلامه صدى رددته الأطراف.

العلماء ينزلون إلى الساحة

توجّه من النجف إلى ساحة الحرب عن طريق الفرات عدد من المجتهدين مع أتباعهم، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد، فكانت أول مجموعة من المجاهدين برئاسة السيد محمد سعيد الحبوبي، وكان اشد المجاهدين حماساً للجهاد، فقد خرج مع جماعة من أصحابه من النجف عصر يوم 15 تشرين الثاني 1914م/ 25 ذي الحجة 1332هـ في موكب رهيب، وقد تقلّد سيفه، والطبول تقرع امامه، وبعد نزوله في كثير من المدن والعشائر وصل الناصرية في منتصف كانون الثاني 1915م، وكان فيها اثناء مكوثه دائب الحركة، حيث يتجوّل بين العشائر المجاورة ويرسل اعوانه من شبان الطلبة كالشيخ باقر الشبيبي وعلى الشرقي إلى العشائر البعيدة لحثهم على الانضمام إلى حركة الجهاد. وقد وضعت الحكومة تحت تصرفه اموالاً طائلة لينفقها في تجهيز العشائر، فاجتمع إليه خلق كثير، فقد غادرت عشائر الغراف إلى الناصرية في 11 صفر 1333هـ، وفي 19 شباط 1915م 4 ربيع الثاني 1333هـ غادر الحبوبي سوق الشيوخ متوجهاً نحو الشعيبة، وتابعتهم العشائر تحملهم مئات السفن الشراعية وهي تمخر مياه بحيرة المحمار، وقدر عددهم بأكثر من ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس، وقد التحق معهم حوالي خمسة عشر ألف جندي، فتكوّن من الطرفين، الجناح الأيمن التركي في هذه الحرب.

وفي يوم 27 ذي الحجة 1333هـ، خرج من النجف ركب آخر من المجاهدين برئاسة السيد عبد الرزاق الحلو وتسعة من اتباعه، ولدى وصوله إلى السماوة في طريقه لساحة الحرب نصب خيامه على الشاطئ الشرقي من الفرات، وبعد يومين من وصوله وردته برقية من الوالي جاويد باشا الذي كان في البصرة، يقول فيها ما نصّه: ((أتوسل إليك برسول الله وأهل البيت وفاطمة الزهراء أن تسرعوا في المجيء إلي حيث أن البصرة مهددة ونحن في ضيق شديد)) فلما قرأ السيد الحلو البرقية هتف قائلاً: (( الله أكبر، الله أكبر، سمعنا واطعنا)) ونادى اصحابه فأمر بتقويض الخيام ووضعها في السفن حالاً، رغم نصيحة عبد العزيز القصاب قائمقام قضاء السماوة آنذاك بالتريث في الرحيل لشدة الريح، غير ان السيد اصرّ على الرحيل، وقال: ((يا ولدي لقد وجبت عليّ الحركة بناء على الخطاب الوارد لي، وان تأخرت يعد عصياناً)) ثمّ توجه نحو اصحابه قائلاً: ((اسرعوا يا أولادي…)).

بغداد والكاظمية تواكب ركب الجهاد

أما في بغداد فقد كان الشيخ مهدي الخالصي اشد حماساً للجهاد في الكاظمية، وقد كتب في ذلك رسالة بعنوان ((الحسام البتار في جهاد الكفّار)) نشرتها جريدة ((صدى الاسلام)) بعدئذ على حلقات متتابعة. ولم يكتف الخالصي بهذا، بل أصدر حكماً أوجب فيه على الناس صرف جميع أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفّار، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرها.

دعا الخالصي علماء الكاظمية للاجتماع في غرفة الكليدار بالصحن الكاظمي للمداولة في أمر الجهاد واصدار الحكم فيه، وقد اجتمع العلماء هناك واختلفوا، فمنهم من قال ان محاربة الإنكَليز بمثابة إلقاء النفس إلى التهلكة وذلك لما عندهم من استعداد واسلحة قوية ليس عند المسلمين ما يقابلها. والظاهر أن اكثر الحاضرين كانوا على رأي آخر حيث حكموا بوجوب الجهاد للدفاع عن البلاد الاسلامية، وكان على رأسهم السيد مهدي الحيدري الذي كان يُعدّ في ذلك الحين كبير علماء الكاظمية.

كما نصبت الخيام في ظاهر الكاظمية استعداداً للسفر، وامست الساحة القريبة من خان الكابولي زاخرة بالناس، وكان الفرسان يتطاردون فيها وقد شهروا السيوف بايديهم على طريقة الحروب القديمة، وكان للشيخ تقي الخالصي – وهو ابن أخ الشيخ مهدي – دور مهم في ذلك حيث كان يمتطي فرسه في تلك الساحة وهو يصول ويجول رافعاً صوته بالحداء البدوي وبالدعوة إلى الجهاد.

وفي يوم 19 تشرين الثاني 1914م/ 1 محرم 1333هـ تجمع جمهور من شبان الكاظمية يقدر عددهم بنحو مائتين، فساروا إلى بغداد في مظاهرة مشياً على الأقدام تتقدمهم الطبول وهم يهوسون ويهزرجون، وعند وصولهم إلى بغداد انضموا إلى الجماهير الغفيرة المحتشدة باب القلعة بباب المعظم وصعد بعض الخطباء يخطبون في الجماهير ويثيرون حماسهم للجهاد، كان منهم عبد الرحمن الكَيلاني وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ومحمد الخالصي ومحمد علي قسام النجفي.

كما ابرق السيد مهدي الحيدري إلى علماء النجف وكربلاء وسامراء يخبرهم بأنه عازم على محاربة العدو الكافر مهما كلف الأمر، ثم اوعز بعقد اجتماع عام في الصحن الكاظمي، ولما اجتمع الناس صعد السيد مهدي على منبر اعدّ له وأخذ يخطب فيهم يحثهم على الخروج للجهاد، ويقال انه ارتج عليه أثناء الخطابة لكبر سنّه، فصعد الشيخ حميد الكليدار على المنبر إلى جانبه واعتذر عنه، ثم أخذ يخطب بالنيابة عنه باللغات الثلاث: العربية والتركية والفارسية. وذلك بعد ان اصدر فتواه في الجهاد والنفير، في وجوب الدفاع عن بلاد الاسلام، والذب عن حياض المسلمين، ومحاربة الغزاة المعتدين.

وقد تكللت هذه الجهود الجبارة وهذا الجهاد العظيم بتلك الفتوى العظيمة والشجاعة للامام الشيخ محمّد تّقي الشيرازي في ردع ومواجهة العدوان والاحتلال البريطاني على العراق ووجوب اخراجه.