التاريخ : 13 ديسمبر, 2017 | الوقت الان : 4:01 م
أراء حُرةسلايدر
صدر يؤيد الخصخصة.. وصدر يقف ضدها !
6 ديسمبر, 2017 | 10:57 ص   -   عدد القراءات: 583 مشاهدة
صدر يؤيد الخصخصة.. وصدر يقف ضدها !


شبكة الموقف العراقي

 بقلم : صائب خليل .

ضمن الجدل الدائر حول تسليم جباية أجور الكهرباء، او ما سمي شعبيا بـ “خصخصة الكهرباء” قال السيد مقتدى الصدر في تغريدة على “تويتر”: “نرحب بخصخصة الكهرباء إذا كانت نافعة للشعب لاسيما الطبقات الفقيرة والمعدمة، وإلا فإننا سنقف مع الشعب في تظاهراته (السلمية) حصرا ولن تكون نافعة إلا إذا كانت بأيادي أمينة وعراقية وصاحبة خبرة ومستقلة عن السياسيين وفسادهم، ليستمر عطاؤها وبأسعار مناسبة لجميع الطبقات والمواطن سيلتزم بقانونها ولن يسرف باستعمالها لكنه لن يدفع الأجور للفاسدين “.

ورغم ان الصدر أضاف شروطا لدعمه، فيمكن بسهولة ان نرى انها تنطبق على الشركات المتهيئة للانقضاض على هذه الفرصة “الاستثمارية”.

فهي “عراقية” (أو يمكن بسهولة تعيين ممثلين عراقيين لها) وهي “مستقلة عن السياسيين وفسادهم”، بينما الحكومة ليست كذلك. والشركة لا تحتاج أية خبرة خاصة وإن لم يسبق لها ان أدينت بالسرقة فهي “امينة” حتى يثبت العكس. بل أكثر من ذلك أن تأكيده على أن المواطن “لن يدفع الأجور للفاسدين” يفهم منها في مثل هذه التعابير الغامضة، انه لن يدفع للحكومة التي يتهمها السيد مقتدى بشكل مستمر بالفساد، لكنه لن يمانع من الدفع للشركات الخاصة.

لا أتصور ان السيد مقتدى قد بنى مواقفه الاقتصادية على الكتاب الشهير لعمه السيد محمد باقر الصدر، “اقتصادنا” ولا اطالبه بتلك المهمة الشاقة، لكن مما لا شك فيه اننا ان بحثنا عن “موقف صدري” للمسائل الاقتصادية، فأن السيد محمد باقر الصدر هو الأحق بتمثيل ذلك الموقف. ولمقتدى مثلما لأي انسان آخر الحق في ان يخالف هذا الموقف، لكن لا بأس ان يعرف المرء إن كان السيد مقتدى يمثل عائلة الصدريين بموقفه هذا أم يتخذ موقفا معاكسا لها.

وطبيعي اننا لن نجد موقفا مباشرا للسيد محمد باقر الصدر من “خصخصة الكهرباء” لأنه لم تكن الرأسمالية قد تطورت في سطوتها في ذلك الوقت ولم تنتقل من الاستيلاء على المعامل الإنتاجية إلى الاستيلاء على (أي خصخصة) الخدمات.

لكننا نستطيع ان نستنتج موقف السيد محمد باقر الصدر من مقارنة موقفه مع قضايا أخرى مشابهة. ونرى أن رفض الخصخصة، خاصة للأمور الأساسية للمجتمع مثل الكهرباء يستند إلى مبدئين يرفض كل منها تلك الممارسة بوضوح:

1- مبدأ “ملكية الأمة”

يقسم السيد باقر الملكيات الى “خاصة” و “عامة” و “ملكية الأمة” التي يجب أن تكون ضمنها كل المصالح الاقتصادية الأساسية للمجتمع!

وفكرة “ملكية الأمة” فكرة رائعة تتفوق على التقسيم الثنائي التقليدي للملكيات في الأدب الاقتصادي، بخلق ملكية اجتماعية ثالثة للمجتمع لا يسمح حتى للحكومة أن تتصرف بها تصرفا حراً. وهذه الفكرة تعبر عن وعي رائع بأن “الحكومة” لا تمثل “المجتمع” بشكل تام، بل في أحسن الأحوال لفترة من الزمن، وأن مصالحهما قد تختلف! ولذلك فمن الضروري حماية مصالح المجتمع الأساسية حتى من الحكومة نفسها.

وفي الوقت الذي يحق للحكومة ان تستغل الملكية العامة بعقود مع اشخاص محددين لاستثمارها لصالح الأمة، إلا أنه لا يحق للحكومة أن تخص البعض من أبناء الشعب باستثمار ما يقع تحت “ملكية الأمة” او تشركهم في إنتاجه، ولا حتى جزئياً، خشية أن لا يحصل بقية افراد الأمة على حقهم كاملا من هذه الثروة الاقتصادية الأساسية.

ومن الواضح ان الكهرباء، مثل النفط والصحة والتعليم والاتصالات والنقل وأمثالها هي من المصالح الأساسية للشعب التي تقع في المفهوم الإسلامي تحت “ملكية الأمة” والتي يجب على الحكومة إدارتها ولا يجوز التصرف بها حتى للحكومة، بتمليك جزء منها أو اعطاء السلطة على جزء منها لغيرها.

ويمكننا ان نتخيل ما يهدد المجتمع إن تم تسليم اي من هذه المرافق الحساسة إلى جهة تتعامل بمفهوم الربح فيها.

2- مبدأ رفض الوسيط الطفيلي

والمبدأ الآخر الذي نستنتج منه رفض السيد محمد باقر الصدر لـ “خصخصة الكهرباء” هو مبدأ “رفض الدور الوسيط الطفيلي” في الاقتصاد ومثله في الإسلام ما يسمى بـ “تلقي الركبان” حيث كان التجار يخرجون من المدينة لتلقي القوافل قبل وصولها، وشراء بضاعتها منها مسبقاً، ثم فرض أسعار اعلى عليها عندما تصل الى المدينة. فيكتب السيد باقر الصدر: “جاء في نصوص نبوية كثيرة النهي عن تلقي الركبان”

والمثال الآخر لهذا النوع من التجارة التي ينهى عنها الإسلام هو الدور الوسيط بين القرويين وأهل المدينة، أي ما وصفه الصدر في كتابه بـ “أن يتولى تاجر المدينة شأن القرويين، الذين يقدمون المدينة وهم يحملون منتجاتهم من فواكه وألبان وغيرها، فيشتريها منهم ثم يبيعها ويتجر بها”

ويكتب الصدر شارحاً سبب النهي:

“وواضح أن النهي عن هاتين العمليتين يحمل طابع الاتجاه الإسلامي الذي نحاول إثباته، لأن النهي يستهدف الاستغناء عن الوسيط ودوره الطفيلي، الذي يحول به دون مواجهة صاحب السلعة للمستهلك مباشرة، لا لشيء إلا ليربح الوسيط على أساس اقحام نفسه بينهما. فالوساطة هنا لا يرحب بها الإسلام، لأنها وساطة متكلفة لا تعبر عن أي محتوى إنتاجي لعمليات التجارة.”

ومما لا شك فيه أن خصخصة الكهرباء، سواء بالاستثمار في يسمى في المشاركة في الإنتاج او في جباية وصولات الكهرباء ليس فيها أية عملية إنتاجية او “محتوى انتاجي”، وأنها كما وصفها الصدر “وساطة متكلفة لا تعبر عن أي محتوى انتاجي”. هل يتعب أصحاب الشركة او من يعملون معهم في أداء مهمتهم؟

بالتأكيد، لكن تعبهم هذا فائض عن الحاجة حيث يمكن للحكومة ان تقوم به دون “التكاليف الإضافية”. خاصة وأن عدادات الكهرباء الحديثة تستطيع ان تقرأ وترسل البيانات بنفسها إلى وزارة الكهرباء، وتستطيع ان تقطع الكهرباء أو تحددها، وبدون تدخل من أحد!

فكل ما سيقوم به هؤلاء هو نصب تلك العدادات الحديثة ثم الجلوس في البيت لجني الأرباح! ومن المؤكد ان جهد “تلقي الركبان” أو تلقي القرويين” أكبر من هذا بكثير، ورغم ذلك نهى الإسلام عنه!

هذا بما يتعلق بجباية الوصولات والعدادات، أما ما يتعلق بخصخصة أنتاج الكهرباء، فهو عملية احتيالية بحتة لا انتاج فيها على الإطلاق. فقد كتبنا وسنكتب المزيد مستقبلا عن كيف كشف وزير الكهرباء السابق رعد شلال بنود تلك العقود، وبين أن الوزارة كانت تجهز المقاولين بالمولدات التي اشترتها بأموال الشعب وتجهزهم كذلك بالوقود، وما عليهم سوى بناء المنشأة التي تنصب فيها تلك الأجهزة والقيام بإدامتها، وجني نسبة من سعر الوحدات الكهربائية!

ولا يقتصر التناقض عند هذه الحالة بل ان موقف الاقتصاد الإسلامي الذي قدمه السيد محمد باقر الصدر، يتناقض كلية مع مبادئ حرية السوق وعدم تدخل الحكومة، والذي تفرضه اميركا على العراق ويتبعه الكثيرين أما خوفا منها أو لمصلحة شخصية أو لنقص في المعرفة، وسوف نشرح ذلك بتفصيل أكثر مستقبلا.

أما الآن ونحن امام موضوع خصخصة الكهرباء، فنحن كما نرى، أمام تناقض تام، بين موقفي شخصيتين صدريتين مهمتين، صدر يؤيد الخصخصة وصدر يقف ضدها، ومن حق كل انسان وربما من واجبه أيضا، ان يحدد موقفه منهما، وخاصة ممن يعتبرون أنفسهم من اتباع آل الصدر.

المقال يمثل رأي الكاتب