التاريخ : 13 ديسمبر, 2017 | الوقت الان : 4:00 م
نفحات
تاريخ النبي (صلى الله عليه واله) ماقبل البعثة.المؤهلات النفسية والاجتماعية
4 ديسمبر, 2017 | 12:50 م   -   عدد القراءات: 56 مشاهدة
تاريخ النبي (صلى الله عليه واله) ماقبل البعثة.المؤهلات النفسية والاجتماعية


شبكة الموقف العراقي

بقلم :  الشيخ عدنان الحساني.

حينما نريد ان ندرس طبيعة المجتمعات والأمم فان اول شيء يصلح ان يكون معيارا للبحث والدراسة هو الإرث الحضاري لتلك الامة او لذلك المجتمع حيث تنتظم المجتمعات البشرية غالبا وفقا لإمكانياتها الأولية من العيش فان كانت تمتلك تقنيات التعليم فهي مجتمعات متحضرة ومتقدمة وان كانت تمتهن الاعمال ذات الحاجة الى المجهود البدني كالزراعة والرعي فهي مجتمعات بدائية .


لقد كان النظام القبلي هو النظام السائد في شبه الجزيرة العربية وكانت القبيلة في المجتمع الجاهلي تشكل القاعدة الأبرز في تعيين القيم والعادات التي يتوجب على افراد المجتمع الالتزام بها او ممارستها وفق أجواء القبول والتعاطي القيمي بين القبائل العربية.


من الطبيعي ان تشهد المجتمعات التي تعيش في نطاق هذا النظام الكثير من الانتهاكات والتجاوزات والمظالم لانه نظام يبتني على قيم ومبادئ غير منسجمة مع الطبيعة الإنسانية والمجتمعية التي تضمن للإنسان ممارسة حرياته وحقوقه بالشكل المطلوب فنظام القبيلة يستند في قيمه التفاضلية الى عدة عناصر خاطئة منها:


1- عنصر الذكورة حيث ان الذكر هو العنصر السائد في المجتمع فله السيادة المطلقة على المرأة من دون اية ضوابط او موازين..


2- عنصر الزعامة فالزعيم رمز مقدس في المجتمع الجاهلي وعلى جميع أطياف المجتمع ان تنزل عند رغباته ونزعاته وشهواته وهو ما أسس لبروز ظاهرة الطبقية بشكل كبير


3- عنصر المال ..حيث يلعب هذا العنصر دورا مفصليا في تحديد الولاءات والتحالفات والنفوذ فالذي يمتلك هذا العنصر هو الذي يستطيع ان يمسك بزمام القبيلة او المنطقة ويتنفذ في جميع مفاصل الحياة فيها .


في أجواء نفوذ هذه العناصر لاتوجد مساحة معتد بها للقيم والمثل الأخلاقية النبيلة الا بمقدار ما تتمسك به بعض البيوتات المعروفة بتاريخها الرسالي كبني هاشم ومن يتحالف معهم من القبائل التي لها ثمة اعتداد بالقيم النبيلة..
في ظل هذه المعطيات عاشت طبقة العبيد من جهة والعنصر الانثوي من جهة أخرى أسوأ مظاهر البؤس والشقاء حيث كان مظهر القبيلة وتسلط أصحاب الثروة والاقوياء على العبيد والنساء هو المظهر السائد آنذاك ..ولم يكن العرب في مكة وما حولها يعرفون مفهوم الدولة ..بل ليست لديهم ادنى مقومات التنظيم الإداري البسيط على مستوى المجتمع او الاقتصاد او الحرب فمجتمعهم قائم على الطبقية والقبلية واقتصادهم قائم على خطوط تجارية بسيطة وتقليدية بالإضافة الى الربا والابتزاز والغزو وماشابه ذلك وحروبهم قائمة على التجييش القبلي والتحالفات غير المنضبطة وهي لاتجاري سياقات الحروب والتنظيم العسكري لدى الامبراطوريتين الفارسية والرومانية..


وعندما نعرف هذه الحقائق نستطيع ان نفهم مدى عظمة نبي الإسلام الذي واجه كل هذه التراكمات والقيم الهابطة والتحديات التي تمثلت بطواغيت قريش والعرب من جهة والامبراطوريات المحيطة بالجزيرة من جهة أخرى اضف الى ذلك مخططات اليهود ومؤامراتهم الخبيثة فاستطاع مع كل مفاعيل هذه التحديات ان يؤسس حضارة إسلامية كبيرة وان ينقذ البشرية من نير العبودية والتخلف..


لم تكن هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها العالم آنذاك وبالخصوص محيط الجزيرة العربية لم تكن ارهاصا تاريخيا منعزلا عن معاناة أصحاب المشروع الإلهي من الأنبياء والاولياء بل هي حلقة من حلقات التمرد والانحراف عن تلك القيم التي جاء بها الانبياء وبلغوها الى الأمم والشعوب ولعل نمطية ذلك الانحراف المتكرر عن جادة الأنبياء أدى الى بروز حالة من الربط بين الأسباب والمسببات وفق مقتضيات السنن الكونية عند بعض العقلاء والناس فكانت الساحة مهيأة لتقبل رمز جديد من رموز الرسالات السماوية علها تكون مرحلة تاريخية بارزة في التحول نحو السياق التاريخي السوي والقويم..
في خضم هذه المعطيات والاحداث كان المشروع الإلهي يمهد ويوطئ الامر من اجل ان يبرز جوهر رسالته في مظهرها الختامي والأخير المتمثل بالنهج المحمدي الأصيل..
برزت ملامح ذلك النور بين اغوار مكة وشعابها حيث شعت مكارمه واستوعبت كل النفوس واخذت بتلابيب القلوب ..


عادت الروح تدب ثانية في جنبات القيم الميتة ..الصدق..الامانة..المودة والتسامح ..معاني لم يكن الناس قد اعتادوا عليها في مكة الا قليلا فلقد برزت بأجلى مظاهرها واقوم اشكالها وأسمى صورها وغاياتها عند هذا الفتى الهاشمي الكريم ..تخطت مكارمه واخلاقه كل حدود المعقول وذهبت بسمته وملامحه كل دواعي الحقد والغلول فما ان تبدت بينهم خطاه حتى تفشت فيهم نوازع المودة والاحترام لسجاياه ومزاياه فراحوا يحكمّونه في معضلات اختلافاتهم ويرضونه امينا لمتاعهم واسرارهم .


صار اية للمتوسمين من الاحبار والمتنبئين من الرهبان فما ان وقعت عليه الحاظهم وتفحصته انظارهم حتى نبهوا الى عظيم خطره وعلو مقامه فلازمه الفخر صغيرا وتربى في جنباته يافعا وكبيرا كيف وهو اديب ربه وصنيعة الملكوت وخاتمة المرسلين.