التاريخ : 20 نوفمبر, 2017 | الوقت الان : 4:17 م
نفحات
اصول التراحم…الهوية واشكالية الاتصال والانفصال
11 نوفمبر, 2017 | 12:00 م   -   عدد القراءات: 138 مشاهدة
اصول التراحم…الهوية واشكالية الاتصال والانفصال


شبكة الموقف العراقي

بقلم : الشيخ عدنان الحساني

 

الرحمة صفة الخالقين وهي بالخالق المطلق أجدى ذاتا وفعلا (فتبارك الله أحسن الخالقين) والتراحم صفة المخلوقين وهي من المفاهيم الثبوتية في إطار العقل العملي يقول تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ }1.حينما نتكلم عن الدين في بعده الأخلاقي فنحن نتكلم إذن عن فلسفة عمومية تنبسط على كل الاتجاهات ولكن وللأسف فإن ثقافة المسلم اليوم في حقيقتها ثقافة خصوصية فما أشبه لسان حالنا اليوم بلسان حال ذلك الإعرابي الذي دعا الله سبحانه وتعالى قائلا : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم أحدا غيرنا أبدا .

ان الدعوة الى الانفصال عن المجتمع هي الدعوة الى فلسفة خصوصية وثقافة خاصة لا تمت الى الروح الجمعية بصلة.

ويجب ان لا يخفى ان اسم الله الرحمن هو اسم واقع في مقام جمع الجمع أي ان جميع صفات الله وأسمائه جمعت في هذه الصفة يقول تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى … }.

وقد كرست الفلسفة الخصوصية في هذا الزمان ثلاث حالات من الانفصال حتى عند الفرد الرسالي وهذه الحالات هي :

أولا :الانفصال عن التراث أو بالأحرى ممارسة الانتقائية في حقه وذلك ليتسنى للإنسان ممارسة فعله المنفصل من خلال تشريعه لنفسه وفق مبررات أفرزتها متغيرات الساحة ضمن مسميات من قبيل أهل الحق وأنصار الحق وكأننا جميعا علي بن أبي طالب ع يدور معه الحق حيثما دار ان إتباع الحق أمر في منتهى الضرورة بل هو محور العمل الرسالي إلا ان إلصاق الحق بالفرد المحدد فيه تجني كبير على هذا المفهوم المقدس فالميزان في إتباع الحق هو الحق وليس الرجال ونحن اليوم نتبع الحق المتمثل بالمقاومة أيا كان نوعها وأيا كانت الجهة التي تتبناها فكل من دعا الى المقاومة فهو حق (على شرط العترة بطبيعة الحال) بدون أل التعريف وليس بالضرورة ان يكون هو الحق مضافا الى أل التعريف فان هذه الإل التعريفية ليس من حق أحد ان يدعيها بالمطلق إلا ان يكون إماما مفترض الطاعة فليكن لسان حالنا انتم حق ونحن حق لأننا نتبع منهج الحق منهج المقاومة والجهاد منهج النبي وأهل بيته الطاهرين .

ثانيا: الانفصال عن العالم من خلال تكريس فكر الإلغاء والتكفير في حين ان التمهيد للدولة العالمية لا بد ان يؤسس على مبدأ التراحم والاتصال مهما كان الاختلاف في الفكر متجذرا خصوصا وان الفرد الرسالي والجماعة الرسالية تتبنى خطابا أمميا وعالميا من المفترض انه ينخرط ضمن التأسيس لمبدأ الثقة فكيف يكون هذا التأسيس ناجزا مع إشاعة فكر التكفير والإلغاء يقول تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }.
نحن ندعي أننا نبني لدولة عالمية في حين أننا لا نستطيع أن نستوعب بأخلاقنا من هم أقرب الناس إلينا .

ثالثا: الانفصال عن حيز على حساب حيز آخر فنجد ان دعوة الانفصال عن الحيز العقائدي والاتصال فقط بالحيز الوطني تحت مبرر تخليص الحيز الوطني من تجاذبات النفوذ الفكري الذي تضطلع به جهة خارجية تشترك معي على قاعدة اعتقادية واحدة هذا الانفصال ينبغي ان لا يكون موغلا في تكريسه لأنه بذلك سوف يتحول إلى مبدأ وحينها تتبدل الثوابت وتتقاطع الاعتقادات ونحن نسمع بين الحين والآخر مثل هذه الدعوات حتى باتت العمالة لإيران تهمة قد تضاهي تهمة العمالة لإسرائيل حتى من قبل بعض الجهات ذات العمل الرسالي العقائدي .ويجب ان لا ننسى ان المشروع الصدري مشروع مؤسس في الجمهورية الإسلامية في إيران فلقد كان السيد محمد باقر الصدر من أهم المنظرين في تأسيس هذه الجمهورية المباركة وها نحن نأتي اليوم نصادر جهوده وجهاده تحت مبرر تغليب المصلحة الوطنية وتقليص النفوذ الأجنبي وما إلى ذلك .

ونحن بعد أن بينا وقائع الانفصال الثلاثة لا بد ان نطرح مشروعا اتصاليا يتجافى مع هذه الانفصاليات وهذا المشروع يستند الى مبدأ التراحم لكن أولا لا بد ان نؤصل لهذا المشروع من خلال تحقيق المناط في هذا المبدأ فهل ان المناط هو التراحم وفق رؤية اجتهادية أم ان هناك معايير وضوابط يجب ان تتبع فإن كانت اجتهادية فلماذا إذا لا نقبل بالديمقراطية وهي مبنية على أساس حقوق الانسان وهو مظهر من مظاهر التراحم بلا شك .

إذن لا مجال للاجتهاد في تحقيق مناط التراحم فلعل ممارسة معينة هي عند الإسلام تمثل قمة التراحم إلا أنها عند القانون الدولي قد تشكل انتهاكا صريحا لحقوق الانسان .

اذا ما هو الأصل في التراحم نستطيع ان نقول ان الأصل في التراحم هو ان الموجودات ضمن تراتبية الأخس والأشرف يرحم بعضها بعضا أي ان الأشرف أولى بالرحمة من الأخس لأنه يملك إمكانات التراحم أكثر من الأخس هذا من حيث التراتبية الطولية آما من حيث التراتبية العرضية فإن السنن التكوينية والتشريعية هي الضمان الوحيد في تكريس مبدأ التراحم .

يقول تعالى: { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }4 .ويقول عز وجل: { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } .