التاريخ : 18 نوفمبر, 2017 | الوقت الان : 4:50 م
تقارير خاصةسلايدر
تركيا وكردستان العراق: مصالح أبعد من خشية الانفصال
29 أغسطس, 2017 | 10:47 ص   -   عدد القراءات: 351 مشاهدة
تركيا وكردستان العراق: مصالح أبعد من خشية الانفصال


شبكة الموقف العراقي

المعارضة الرسمية التي عبّر عنها المسؤولون الأتراك ضد تنظيم إقليم كردستان لاستفتاء الانفصال عن العراق المقرر في 25 سبتمبر/ أيلول المقبل، لا يمكن اختزالها بالتفسيرات المتمحورة حول هاجس العقل القومي التركي من مسألة تكوين الأكراد لدولتهم. وهناك عوامل أخرى تساهم بتفسير هذا الاعتراض، بدءاً من الاقتصاد ومروراً بالنفوذ السياسي التركي وانتهاءً بالمعركة المستمرة مع ألد أعداء الجمهورية التركية ممثلاً بحزب “العمال الكردستاني”.

ويعيش هذا الحزب عبر جناحه السوري واحدة من أزهى عصوره، بعدما سيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية بالتحالف مع الولايات المتحدة التي مكنته ولأول مرة في تاريخه، من العمل على تأسيس سلطته الخاصة.

بعيداً عن المؤسسة العسكرية التركية التي لا تزال ترفض حتى استخدام الاسم الرسمي بإقليم كردستان، مفضلةً اسم إدارة شمال العراق، تبدو التصريحات الدبلوماسية التركية متوسطة الحدّة ضد مشروع استفتاء الانفصال، ولم تصل بعد إلى مستوى التصعيد الحاد، وذلك لأسباب داخلية تجمع ما بين عدم الرغبة بإغضاب القوميين الأتراك من جهة، وعدم الضغط على المؤسسة العسكرية التركية التي لا تزال علاقتها مع الحكومة مرتبكة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز الماضي.

في غضون ذلك، يبدو أن إقليم كردستان الذي كانت قيادته وحتى وقت قريب ترى في أنقرة حليفاً لها في مسألة الاستقلال، باتت تدفع ثمن الضغط الناجم عن توسع نفوذ “العمال الكردستاني”. وما إن انتهت الاتصالات والمفاوضات بين الأتراك والجانب الإيراني، أخيراً، حتى علا صوت أنقرة مجدداً برفض الاستفتاء. ومقابل الضغط التركي لتأجيل الاستفتاء، يبدو أن أنقرة ستحصل على تعاون إيراني لضرب “العمال الكردستاني”، وهو تعاون طُرحت له العديد من السيناريوهات، بين سورية والعراق. وقد يتعلق الأمر بتعاون تركي إيراني مباشر لضرب مقار “العمال الكردستاني” في جبال قنديل، على الحدود الإيرانية العراقية، ومروراً بدفع قوات “الحشد الشعبي” العراقية ذات الولاء الإيراني، لطرد “العمال الكردستاني” من منطقة جبل سنجار في محافظة نينوى، وانتهاءً بمقايضة كبرى في سورية، تقوم على تقاسم النفوذ في إدلب، مقابل إطلاق يد أنقرة ضد “الكردستاني” في عفرين.

ويشار في هذا السياق إلى أن انفصال كردستان قد يؤدي إلى خسائر تركية كبيرة على المستوى الاقتصادي، وستفقد تركيا طريق صادراتها المباشر نحو العراق، الذي قد يغلق الحدود مع كردستان وربما يشعل معها حرباً على الأراضي المتنازع عليها، لا سيما مسألة مدينة كركوك. ويأتي مشروع استقلال الإقليم في فترة تبدو الأصعب في تاريخ المنطقة في ظل التمزق الحاصل في سورية واليمن وليبيا. وترى كل من طهران، بوصفها اللاعب الأكثر تخوفاً من استقلال كردستان بسبب الجناح الإيراني الانفصالي لحزب “الديمقراطي الكردستاني”، وكذلك أنقرة، أن استقلال الإقليم العراقي سيفتح باباً لإعادة رسم خرائط المنطقة مرةً أخرى، وهو ما قد لا ينجو منه الجانبان. كذلك ستخسر أنقرة بانفصال الإقليم أي نفوذ لها في العراق على المدى المتوسط والبعيد.

على أية حال، لم تكن تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، والتي حذر فيها من حرب أهلية في المنطقة في حال استمرار قيادة إقليم كردستان في مشروعها الانفصالي، بعيدة عن الواقع. واحتمال انفجار الوضع يبقى جدياً، نظراً للخلافات المعقدة على السلطة بين كل القوى الكردية المتنافسة في كردستان. فهناك من جهة، القوى النافذة في محافظة السليمانية والمتحالفة مع إيران، وفي مقدمتها حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” بقيادة جلال طالباني، بالتعاون مع حركة “التغيير” بقيادة نوشيروان مصطفى. وهناك القوى النافذة في أربيل، أبرزها رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، وعائلته وحزبه “الديمقراطي الكردستاني”.

وإضافةً إلى الرئاسة، فهي تسيطر على مجلس وزراء الإقليم، برئاسة نيجيرفان البرزاني، وهو ابن أخ مسعود البرزاني، وتساهم في استمرار تعطيل عمل برلمان الإقليم. وسيناريو الحرب الأهلية، الذي حذر منه جاووش أوغلو، يبدو محتملاً، نظراً للخلافات على السيادة بين إقليم كردستان والسلطات المركزية في بغداد، وهي نزاعات تتمحور على عدد من المناطق، وتأتي على رأسها مدينة كركوك الغنية بالنفط وذات الغالبية التركمانية، فضلاً عن الخلافات الكبيرة بين أربيل وحزب “العمال الكردستاني” الذي يسيطر على مساحات من الأراضي المفترضة للإقليم، والتي يمتلك فيها قواعد عسكرية.

في الواقع، لا خلافات حقيقية بين الفرقاء الأكراد. لكن النزاعات الداخلية كلها تقوم على السلطة والنفوذ، على الرغم من محاولات تغطيتها بالخلاف بين كتلة محافظة “رجعية” يقودها بشكل أساسي مسعود البرزاني وكتلة “تقديمة يسارية” يقودها حزب “العمال الكردستاني” وأجنحته. لكن في العمق يمكن تلخيص الخلاف حول الزعامة القومية بين أكراد تركيا وأكراد العراق، ليبدو تبرير القيادي في “العمال الكردستاني”، مراد كاريلان، باهتاً في ما يخص رفضه للاستفتاء، بإحالته لرفض الحزب المبدئي لإقامة الدولة القومية.

بيد أنه في العمق، يبدو رفض “العمال الكردستاني” لإقامة الدولة الكردية، متعدد الأبعاد، ويأتي على رأسها أن الدولة الجديدة العتيدة، أي كردستان العراق، قد تتمكن من امتلاك جيش قوي نسبياً في أي وقت لاحق، بما في ذلك سلاح الجو، ما قد يدفعها لفرض سيطرتها على كامل أراضي الإقليم أو محاولة السيطرة على قرار “العمال الكردستاني” في إطار علاقاتها مع جيرانها. كما أن إقامة دولة كردية ستنهي أحد أهم حوافز استمرار الخطاب القومي لـ”العمال الكردستاني” على المستوى الشعبي والذي يضمن استمراره.

ويشار إلى أن هذه الدولة إن ولدت، فعلى الأغلب ستكون دولة فاشلة على المدى المتوسط وممزقة الولاء بين أنقرة وطهران، وتحمل في بنيتها جميع مبررات الحرب الأهلية، كالتي حصلت في تسعينيات القرن الماضي، ويضاف إلى كل ذلك حالة الفساد المستشرية بشدة والتي لا تختلف عن باقي أرجاء العراق.

صحيح أن البرزاني دعا لكتابة نشيد وطني جديد لإقليم كردستان ووضع علم جديد يراعي باقي المكونات فيه، وصحيح أن البعض هلل للأمر على أنه خطوة ديمقراطية، لكن في الحقيقة، سيبقى هناك في الخطاب الكردي فصلٌ ما بين كردستان كدولة تقوم إدارياً على أرض الإقليم، وكردستان الدولة القومية الموحدة الممتدة على أربع دول، أي فصل بين الانتماء المحلي لكردستان الإدارية والانتماء القومي لكردستان التاريخية. وبهذا المنحى، سيستقل إقليم كردستان العراق لكن يبقى المشروع القومي حياً، ويتجاوز حدود الدولة الإدارية. وهو ما يعني أن إشكالية العلاقة بين تركيا والمسألة الكردية ستبقى مطروحة.

العلاقات بين أكراد العراق وتركيا
تعود العلاقات بين أنقرة وإقليم كردستان العراق، إلى عهد الرئيس التركي الراحل، تورغوت أوزال، الذي يبدو ربما السياسي التركي الوحيد الذي يشكل موضع إجماع بين الأتراك والأكراد. وهناك الكثير من التسريبات التي يصعب التأكد منها، والمتحورة حول رغبته في حل القضية الكردية بشكل سلمي. ويؤكد الباحث التركي الكردي، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع قيادة إقليم كردستان، جينغيز جاندار، والذي امتلك علاقات مباشرة مع أوزال، في ورقة له بعنوان “تورغوت أوزال، 20 عاماً بعد الإنسان والسياسي”، أن أوزال كان مقتنعاً بأنه بعد حرب الخليج الأولى وما تلاها من فرض منطقة حظر طيران على شمال وجنوب العراق، فإن نظام الحكم العراقي المركزي لن يعود إلى سابق عهده.

وكان يرى أنه للحفاظ على تأثير لتركيا في مستقبل العراق، لا بد من إقامة علاقات مع الأكراد في الشمال، خاصةً أنه أدرك أن الأتراك لن يكونوا قادرين في أي وقت على منافسة نفوذ إيران بين العراقيين العرب الشيعة ولا نفوذ لأي دولة عربية بين العرب السنة، وبالتالي كان الأكراد والتركمان الخيار التركي الوحيد، وفق ما كتب جاندار بشأن رؤية الرئيس التركي الراحل. وفي سبيل ذلك، قام أوزال بكسر أحد أهم المحرمات في الجمهورية التركية، بدعوة كل من البرزاني وطالباني في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى أنقرة، وفتح الحوار معهما. وتشير مصادر متطابقة إلى أن كلاً من البرزاني وطالباني حملا لفترات طويلة جوازات سفر دبلوماسية تركية، لتسهيل حركتيهما.

وتشير بعض الروايات عن أوزال إلى أنه كان أول من طرح فكرة دعم مشروع أكراد العراق للاستقلال، وتكوين الدولة الكردية المتحالفة مع تركيا بالضرورة التاريخية والجغرافية، وإعادة إنتاج “الميثاق الملي” بطريقة مختلفة، في سبيل تهدئة الحس القومي لأكراد تركيا. كما كشفت الصحافة التركية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1993، عن وثيقة أرسلها أوزال لرئيس الوزراء حينها سليمان دميريل، طالبت بإجراء إصلاحات وحذرت من تغوّل حزب “العمال الكردستاني”، وطالبت بوضع خطط لضرب هذا الحزب من خلال بناء سدود تعيق حركة مقاتليه في الوديان في جنوب شرق تركيا. وهذه الخطط قامت حكومة حزب “العدالة والتنمية” عملياً بتنفيذ معظمها.