التاريخ : 14 ديسمبر, 2017 | الوقت الان : 10:05 م
أراء حُرة
بالصراحة راحة
17 يونيو, 2017 | 3:01 م   -   عدد القراءات: 494 مشاهدة
بالصراحة راحة


شبكة الموقف العراقي

بقلم : أياد الزهيري.

بالوقت الذي تكون فيه الصراحة مبعث لإثارة المواجع ، تكون بنفس الوقت بداية النهاية لها ، كما أن صاحبها شخص يتصف بالشجاعة والنقاء بسبب ما يجتاح مجتمعنا من معايير غاية بالإنحطاط ، مثل النفاق والتزلف والرياء و … حتى بات الصريح محل تعاطف الكثير لتوقعهم لما يلاقيه من صد وجفاء وتنكر من المجتمع الذي ألف الزيف والكذب ، الصراحة أصبحت في مجتمعاتنا مصدر للمعاناة ومبعث للخلافات ؛ فالويل والثبور لصاحبها ، وهذا ما دعى علياً (ع) أن يقول (ما ترك الحق لي من صديق) .

فالصراحة هي الوجه الآخر للحق . أتذكر عندما كنتُ شاباً يافعاً جذب نظري كتاب (العقد الإجتماعي) لجان جوك روسو ، وهو كما معروف من المفكرين والكتاب الذين مهدوا للثورة الفرنسية ، والذي ذكر في مقدمة كتابه أنه تعرّض للتحرش الجنسي ، وقد أعتدي عليه جنسياً ، فقلتُ في نفسي كيف لإنسانٍ أن يشهر بنفسه ، وقد لا يعلم بهذا الأمر إلا هو ومن إعتدى عليه ، فقلتُ في نفسي إنها وقاحة ، وأن الأوربيين لا يقيمون وزناً للحياء ، ولكن بعد حين تبيّن أن الأمر غير ذلك ، حيث أن الرجل كان يرمي من ذلك إلى الكشف عن عورة مُجتمعه ورفع ستار التعفف الكاذب الذي يدّعيه ، مُعتبراً ما حدث له جريمة إجتماعية إقترفها المجتمع بحقه ، إنه إعتداء يجب معاقبة مرتكبيه ، وهي صورة تعبر عن مشكل إجتماعي ينبغي مكافحته ووضع الحلول له .

إنطلق هذا المفكر من خطوة جريئة وبطولية في وقتها ، قد لا يتجرأ غيره في إعلانها بسبب ما يسود مجتمعه من تعفف كاذب ، وسلوك منافق ، ولكن كان الرجل يعتقد أن جرأته هي الخطوة الأولى للإصلاح عن طريق التأشير على الخطأ وفضح المظاهر الكاذبة فيه ، ولكن لم يكتفي جاك روسو بهذا ، فساهم ووضع وإقترح الحلول القانونية لحماية الفرد والمجتمع عبر عقد إجتماعي جديد للمجتمع الفرنسي ، إن السبب الذي أثار في ذهني هذه القصة ، مروري بالآية القرآنية ( ولو أن أهل القرى آمنوا وأتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) .

القرآن لا يجامل ولا يحابي أحد ، إنه كتاب الله ، إنه فصل الكلام ، وخاصة ونحن مسلمون وندّعي الإيمان به ، حسناً هل هذه الآية تحتاج إلى فقيه أو لغوي ضليع باللغة كي يفسر مغزاها ، لا أعتقد هذا لما تتميز به هذه الآية من وضوح اللغة فيها مبنىً ومعنىً ، إنها تحمل معادلة بسيطة ، أحد أطرافها الإيمان والتقوى بكل ما تحمل هذين الكلمتين من معنى يقابلها بالطرف الآخر من المعادلة ، هو أن البركات سوف تنزل عليهم من السماء وتتفجر عليهم الخيرات من باطن الأرض مقابل ذلك ، ولكن مانعيشه من بؤس بكل أنواعه هو نتيجة كما صرحت به الآية الكريمة في مقطع ( ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) إنها حقيقة صارخة .

إن مجتمعنا لا يخلو من عوق إجتماعي فيه الكثير من المفردات التي تعبّر عن السلبية المقيتة ، منها ( النفاق ، الكذب ، السرقة ، الغيبة ، … ) ماذا نتوقع من مجتمع تنخر به هذه الآفات ، طبعاً فإن لا مجتمع يخلو من كل هذا ، ولكن بلغت مُستويات مُخيفة في مجتمعنا ، حتى أنك تشاهد وتلمس تداعياتها بوضوح مما أوصلته إلى حافة الهاوية .

لا شكَّ أن صم الآذان وغلق العيون عما يجري في مجتمعنا من سوءات وإنتشار للأوبئة الإجتماعية ، هو السبب فيما وصلنا إليه من حال يرثى له ، وبالمقابل فإن ما وصلت إليه أوربا من تطور للحياة ، هو بما يمتلكوه من صراحة مع أنفسهم ، وإعترافهم بكل ما يحصل في مجتمعاتهم أو شركاتهم من سلبيات ، أو تداعي للإنتاج أو إنحراف للسلوكيات ؛ حيث يعتبروه الخطوة الأولى للإصلاح ، ولا يمكن وضع الحلول الناجعة والحقيقية إلا بكشف الحقيقة ومواجهة الواقع كما هو بدون تزييف أو تضليل له .

نحن بحاجة ماسة لتأصيل ثقافة تمتلك المصداقية والشفافية في المواقف الفردية والإجتماعية ، رافضة لكل ما هو زائف ومجافي للحقيقة ، وأن ينتقد بشجاعة من غير تردد ، وبصوتٍ عالٍ وغير مرتعش من خفافيش الظلام .