التاريخ : 29 يونيو, 2017 | الوقت الان : 5:08 م
أراء حُرة
العبادي – الطيب السيء !
11 يناير, 2017 | 12:01 م   -   عدد القراءات: 282 مشاهدة
العبادي – الطيب السيء !


شبكة الموقف العراقي

 بقلم  : د. رياض السندي.

 

كيف يقيّم العراقيون رئيس الوزراء حيدر العبادي بعد قرابة ثلاثون شهراً من حكمه؟ وما الذي تغير في رئيس الوزراء العبادي فأصبح مرغوبا لدى العراقيين بعد أن كان منبوذا يداوم العراقييون على لعنه ليل نهار؟ أو لنعيد صياغة السوأل بشكل أخر، ونسأل لماذا كان العراقيون يلعنونه طيلة السنتين والنصف الماضية من حكمه؟ ولماذا بات مرغوبا الان؟ للاجابة على هذا التسأول يجب أن نستعرض مسيرة العبادي في منصبه، ورصد التغييرات في أوضاعه الشخصية, وأوضاع العراق ومؤثراتها الدولية.

في 11 آب 2014 كلفه التحالف الوطني ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم بتشكيل الحكومة ليكون رئيس مجلس الوزراء الجديد وقد قدم رئيس إئتلاف دولة القانون نوري المالكي إحتجاجاً إلى المحكمة الإتحادية بأنه الأحق بتولي المنصب. ثم بعد عدة أيام تنازل نوري كامل المالكي لصالح حيدر العبادي وسحب نوري القضية التي قدمها إلى المحكمة الإتحادية، والتي تضمنت اتهام الرئيس العراقي فؤاد معصوم بخرقه للدستور عندما كلف حيدر العبادي بتولي رئاسة الوزراء العراقية.

في 8 سبتمبر 2014 قبل يومان من انتهاء المهلة الدستورية أعطى البرلمان العراقي الثقة لحكومة العبادي.

  • التكليف بالمنصب

وأول صورة تطالعنا في حكم العبادي هو تكليفه بالمنصب من قبل ثلاثة اشخاص هم فؤاد معصوم (رئيس الجمهورية)، وسليم الجبوري (رئيس مجلس النواب)، وابراهيم الجعفري (رئيس التحالف الوطني)، وهم يشكلون ما يعرف ب “لوردات الفساد” الذين يمثلون مجموعات سياسية مختلفة كردية وسنية وشيعية. وهذا ما أعطى إنطباعا للشارع العراقي بأن (حيدوري) أو (أبو يسر) وهما اسما الدلع والتحبب التي يطلقها العراقيون على العبادي، بانه لن يستطيع أن يحارب الفساد الذي كان سببا رئيسيا في ضياع العراق. ولم يمضي وقت طويل حتى إتضحت معالم الصورة للعراقيين، فمعصوم ثبت سيطرته على أكثر المناصب فراغا في العراق (منصب رئيس الجمهورية) ووجوده كعدمه، وكل مافيه هو جملة من الامتيازات الشخصية الضخمة التي تثقل كاهل العراقيين، في حين أنه تأخر عن تصديق أحكام الاعدام لاكثر من سنة، وعيّن بناته الثلاثة برواتب ضخمة، وإستحوذ على أمتيازات منصب تبلغ 60341.714 مليون دينار حسب ميزانية 2016. ومخصصات مكتب مقدارها 51 مليار دينار (50 مليون دولار) في موازنة 2017.

وابراهيم الجعفري الذي سلّم المنصب للعبادي لقاء ضمان توليه منصب وزير الخارجية، ورغم كل مساوئه مازال يحتفظ به، وقد وصف بانه (أسوا وزير خارجية للعراق) طيلة عهده، وارتكب من الفضائح مايوجب إقالته عشرات المرات. وقدم للاستجواب في مجلس النواب لسحب الثقة عنه، الا إن ضغط إيران ومعارك الموصل أجلّا ذلك. والاكثر من ذلك إنه لم يحضر يوماً إجتماعا لمجلس الوزراء منذ توليه هذا المنصب، بحسب النائب كاظم الصيادي.

أما سليم الجبوري الذي تولى منصب رئيس البرلمان وهو المتهم ب 14 ملفاً متعلقا بالارهاب. إلا إنه بقي السني الذي تفضله إيران، وكان عددا من النواب قد طالبوا، بجمع تواقيع لاقالة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، بعد أن اصدرت المحكمة الاتحادية قرارها باعتبار جلستي نيسان 14 و 28 غير دستورية، والذي اعاد الجبوري ونائبيه الى رئاسة البرلمان .

وأثناء استجوابه في مجلس النواب بتاريخ 1/8/2016، كشف وزير الدفاع خالد العبيدي عن مساومات وفضائح سليم الجبوري وضعته في خانة التغيير المحتمل في الايام اللاحقة، لذا سارع للقاء السفير الامريكي في بغداد، والاطراف المؤثرة في التحالف الوطني لدى طهران كما استعان بعلاقاته الوثيقة مع انقرة لنفس الغرض التي زارهما بحثا عن تعزيز الدعم لبقائه في منصبه. ثم اعلنت محكمة الجنايات المختصة بقضايا النزاهة في 24/8/2016 رد الطعن الذي تقدم به وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في قضية رئيس البرلمان سليم الجبوري واكدت المحكمة غلق القضية بشكل نهائي.

يذكر أن مجلس النواب العراقي أقر، في 29 كانون الثاني 2015، الموازنة المالية للعام 2015، بـ119 ترليون دينار عراقي وبعجز يبلغ 25 ترليون دينار. في حين أقر في 7/12/2016 الموازنة الاتحادية لعام 2017 بـ100 ترليون دينار وبعجز 21 ترليون دينار.

  • الصعيد الداخلي

وقام العبادي منذ نيل حكومته الثقة في أيلول/سبتمبر، بإحالة مئات الضباط على التقاعد أو إعفائهم من مناصبهم، في مسعى لإعادة هيكلة الجيش إثر انهيار قطعات منه في وجه هجوم لتنظيم “الدولة الإسلامية” في حزيران/يونيو 2014، وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد.

ولم يتضح ما إذا كانت إحالة بابكر زيباري  رئيس اركان الجيش ضمن هذه التدابير أو لأسباب أخرى.

وعانى الجيش الذي استثمرت فيه السلطات العراقية مليارات الدولارات، من فساد في أوساط بعض الضباط والعناصر، ونقص في التدريب الذي تقول الولايات المتحدة إنه تراجع بشكل كبير منذ انسحاب قواتها في 2011.

واعتبر زيباري قبل انسحاب القوات الأمريكية أنه من الأفضل بقاء وحدات منها، وأن الجيش العراقي يحتاج الى سنوات ليكون جاهزا بشكل كامل. وقال لفرانس برس في 2010 “لو سئلت عن الانسحاب لقلت للسياسيين يجب أن يبقى الجيش الأمريكي حتى تكامل الجيش العراقي عام 2020”.

وعلى رغم أن زيباري، وهو كردي، تبوأ أعلى منصب في الجيش، إلا أن قيادة المؤسسة العسكرية خضعت لإعادة هيكلة بعد 2011 في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي جعل “مكتب القائد العام للقوات المسلحة” برئاسته، المسؤول عن قيادة الجيش وتعيين الضباط الكبار.

تتزايد الضغوط على رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي، من عدة أطياف سياسية وبرلمانية، رأت أنه “لن يكون قادرا على الوفاء بوعود الإصلاح التي تحدث عنها قبل أشهر”.

ودعا “ائتلاف الوطنية” بقيادة إياد علاوي، مجلس النواب إلى سحب الثقة من رئيس الوزراء حيدر العبادي، وقال الائتلاف، إن ضعف العبادي وعدم قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة سيدفع بمجلس النواب إلى الإسراع بسحب الثقة منه.

وأوضح رئيس الكتلة النيابية للائتلاف في مجلس النواب كاظم الشمري، إن المجلس منزعج للغاية من تردد العبادي الذي كان منتظرا حضوره، إلى مجلس النواب، لتقديم أسماء 9 مرشحين تكنوقراط لشغل الحقائب الوزراية في إطار حزمة التغيير الأولى.

من جهة أخرى، قالت مصادر نيابية لـ”سكاي نيوز عربية” إن رئيس المجلس سليم الجبوري سيلتقي، الأحد، قادة 5 من الكتل السياسية النيابية لبحث ملف الإصلاح، وأضافت أن الاجتماع قد تتمخض عنه قررات مهمة تفضي إلى فرض التغيير الشامل بما فيه منصب رئاسة الحكومة من داخل مجلس النواب، وعدم انتظار الحلول من خارج المجلس، الذي سيكون صاحب الكلمة الفصل في التغيير والإصلاحات .

وتأتي تلك الضغوط تزامنا مع نهاية المهلة التي حددها زعيم التيار الصدي في العراق مقتدى الصدر للعبادي، من أجل الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة وتفعيل حزمة الإصلاحات التي أعلن عنها.

وبعد تظاهرة للآلاف من أنصار التيار الصدري أمام بوابة المنطقة الخضراء وسط بغداد،  طالب الصدر العبادي بإعلان التشكيلة الوزارية الجديدة ، محذرا من اندلاع “احتجاجات واسعة” في حال حاول زعماء الكتل السياسية عرقلة التعديل الوزاري الذي يزمع العبادي إجراؤه لمحاربة الفساد.

انتقد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الثلاثاء 30 آب 2016، بشدة تعديلات أضافها مجلس النواب على قانون العفو العام الذي أقر الأسبوع الماضي ووصفها بأنها “إجرامية”.

وقال العبادي في مؤتمر صحفي، إن “مجلس النواب أضاف على قانون العفو العام فقرات إجرامية”، موضحًا: “استثنينا كل جرائم الاختطاف والإرهاب من العفو العام، لكن مجلس النواب قيدها بفقط تلك التي لا ينشأ عنها قتل أو عاهة دائمة أو تدمير منشأة بالنسبة للإرهاب”.

من جانب آخر، قال المكتب الإعلامي لحزب الدعوة الذي ينتمي له العبادي، إن تهديد النواب العراقيين “عمل مرفوض سياسيا ودستوريا وأخلاقيا”.

في 9 أغسطس 2015 أعلن حيدر العبادي عن مجموعة قرارات وإصلاحات أبرزها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية (نوري المالكي وأسامة النجيفي وإياد علاوي) ونواب رئيس مجلس الوزراء (بهاء الأعرجي وصالح المطلك وروز نوري شاويس) في استجابة للاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وأقر مجلس الوزراء العراقي القرارات التي أصدرها.

فيما كشف رئيس الوزراء حيدر العبادي وفي أول رد فعل له حول جلسة استجواب العبيدي وتداعياتها رفضه لأي استجواب في الوقت الراهن، وذلك لعدة اعتبارات، أهمها انشغال العراق بالحرب ضد داعش، مرجحا فرضية الاستهداف السياسي عن التحقيق بتهم الفساد .

ألا ان العبادي سرعان ما تراجع عن وعوده الاصلاحية وخذل الشعب العراقي الذي أخذ يتظاهر بشدة حتى إقتحمت جموع المتظاهرين المنطقة الخضراء المحصنة وعبثت بمجلس النواب في 30 نيسان 2016. ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى إقتحم المتظاهرين مجلس الوزراء، حيث مقر العبادي وحكومته في 20 أيار 2016، في مشهد يذكر بأيام سقوط بغداد.

  • الصعيد الدولي

كانت أولى زياراته الدوليه الى ولي نعمته الولايات المتحدة في 24/9/2014 ظهر فيها جالسا الى جوار الرئيس الامريكي أوباما جامداً دون حراك وقد إعترته الذهول كغير مصدق لما يجري، لا سيما وإن اوباما حذره من إن الذئب على الباب. لا بلوالاكثر من ذلك إن باراك أوباما تجاهل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في قمة الدول السبع الكبار بتاريخ 7/6/2015، بشكل مثير للسخرية والشفقة.

ثم كانت تركيا وجهته الثانية التي زارها في 24/12/2014 وكانت زيارة مخيبة للامال، حيث سلطت عليه الصحافة التركية إنتقاداتها بصور تبين تراخي بنطاله على منصة الشرف.

الا إن تلك الزيارة لم تشفع له إحترام الجارة تركيا لسيادة العراق وحرمة أراضيه فدخلت قواتها العراق لتستقر في معسكر بعشيقة. ولقد اثار دخول القوات التركية الى شمال العراق في 7/12/2015 ازمة دولية بين العراق وتركيا انعكست على مصادر القرار في دول مختلفة. وقد امهل العبادي الجانب التركي 48 ساعة لمغادرة العراق، الا إن ذلك لم يتحقق حتى هذه اللحظة، على الرغم من توقيع إتفاق الانسحاب بتاريخ 7/1/2017 أثناء زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم للعراق. وسرعان ما صدرت تصريحات متبادلة تشير الى تمسك كل طرف بموقفه السابق.

وقد سبق وإن هاجم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الأربعاء 2 نوفمبر 2016، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي واصفا إياه بـ”السياسي الضعيف”، وأن تصريحاته رنانة لا معنى لها بالنسبة لتركيا.
وتساءل الوزير التركي قائلا: “إذا كانت لديك قدرات، لماذا سلمت الموصل للمسلحين؟ وإذا كنت قويا، فلماذا لا تحارب حزب العمال الكردستاني الذي يحتل الأراضي العراقية منذ سنوات؟ إنك ضعيف واليوم تحاول الانخراط في العنتريات، وتطلق تصريحات رنانة لا معنى لها بالنسبة لنا”.
وقلل جاويش أوغلو في تصريحات صحفية من أهمية تهديد العبادي بالتصدي لأي اعتداء يواجهه، معتبرا أن تصريحاته “لا تعني شيئا” بالنسبة لتركيا، وأنها (تركيا) ستواصل اتخاذ الإجراءات الرامية إلى حماية حدودها مع العراق وستزيد من وجودها العسكري هناك.

وقد إعتبر البعض الموقف الوحيد الذي يحسب لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ومنذ توليه رئاسة الحكومة العراقية في آب/أغسطس عام 2014، هو إنه لم يمارس الطائفية، وهذا غير دقيق، فقد شارك في 30/11/2015 في مراسيم زيارة الاربعين لطائفته الشيعية مرتديا دشداشة سوداء في حين لم يدخل كنيسة مسيحية أو محفل أي طائفة عراقية أخرى، أو حتى جامعا سنيا، لا بل لم يبالي يوميا بالسبايا اليزيديات لدى داعش. 

والمؤكد إنه تعامل ببساطة وتواضع اكسبته شعبية لا بأس بها، الا إن المأخذ الكبير عليه هو ضعف شخصيته وعدم قدرته على حسم الامور وسعيه للمماطلة وترحيل الازمات، وتأجيل أمور الدولة بحجة محاربة الارهاب ودحر داعش وتحرير الموصل التي لم تحقق حتى الان سوى نجاحات جزئية لا تقارن بحجم التضحيات الكبيرة المدفوعة أمامها. فإذا صدقته الناس لفترة محددة فإنها ستدرك فشله قريبا، إلا إن من المؤكد إنه سيبقى يسحل بإدارة العراق أمال شعبه حتى نهاية مدته بعد سنة ونصف، لان ما يعزز فرص بقاءه هو إن بديله الاقوى ومنافسه الاشد هو نوري المالكي الذي إختبره العراقيون لثماني سنوات رئيسا للوزراء ولم يستطع أن يقنع بشخصه سوى إيران وبعض متملقيه.

ولقد كشفت أحداث السنتين والنصف الماضية إن السلطة قد إنحصرت في يد عصبة الثلاثة معصوم والعبادي والجبوري , في حين إنفرد الجعفري بالاستمتاع بفريسته وزارة الخارجية رغم فشله الذريع فيها، وطرح مسألة إستجوابه تمهيدا لاقالته في مجلس النواب، والتي اجهضتها إيران بعد أن تخلى عن فريسة قيادة التحالف الشيعي لعمار الحكيم. وبات واضحا أن التغيير السياسي لن يجري الا بتغييرهم معاً.

وفي الختام فأن الأزمة السياسية الراهنة في العراق هي تتويج لأزمة عمرها من عمر النظام الحالي الذي أقامه الاحتلال الأميركي على أساس هش، ولم يبذل السياسيون العراقيون جهدا حقيقيا لتمتينه وتقويته، لا لشيء إلا لأنهم غير واثقين من إمكانية استمراره، فالأزمة لا تتجسد في شخص رئيس الوزراء حيدر العبادي كما يحلو لخصومه السياسيين الربط بينهما. فهي أعمق وأشمل، وما العبادي الا بيدق على رقعة مهترئة يسعى لآكمال مدة الاربع سنوات متمسكا بها بيديه وأسنانه، كما فعل سلفه المالكي من قبل.  وإن طيبته لا يمكن تفسيرها إلا كما قال الكاتب الفرنسي موليير في إحدى مسرحياته قائلا: هل هناك أسوأ من الانسان الطيب.