التاريخ : 29 يونيو, 2017 | الوقت الان : 11:53 ص
أراء حُرة
الرفسنجانية التي ستجعل ايران “صين المسلمين ” !
11 يناير, 2017 | 10:28 ص   -   عدد القراءات: 533 مشاهدة
الرفسنجانية التي ستجعل ايران  “صين المسلمين ” !


شبكة الموقف العراقي

بقلم : مهند الساعدي .

ألرفسنجانية عقلانية ثورية ، والعقلانية الثورية من اصعب انواع العقلانيات وأعسرها تسويقاً ، في الحزب والدولة ، لانها تسبح ضد تيار المرحلة ، وتمارس الاقناع بنظريات مستقبلية لا يريد الثوار الشباب تصديقها بسهولة .

ولولا ظروف الحرب ، والحصار ، وسياسة الاحتواء الامريكية لإيران ، لتحولت هذه الدولة الى ( صين المسلمين ) منذ زمن ابعد .

وفي الحقيقة انني لا اجد تجربة أقارب من خلالها ايران اقرب من التجربة الصينية ، وهي تجربة عقيدة سياسية وأيديولوجيا حزبية محاصرة في ظل نظام عالمي لا يريد لها البقاء .

الاتفاق الذي ابرمة ظريف وكيري ، هو في الحقيقة اتفاق بين الرفسنجانية الايرانية ، ومبدأ جورج بوش الاول الذي تبنى الاحتواء المزدوج .

وهذا الاتفاق يشبه ستراتيجية الامين العام للحزب الشيوعي الصيني ( جيانغ زمين ) والتي نفذها الرئيس جنتاو وكانت تعتمد على تسجل النقاط الخارجية من خلال التنمية الداخلية مع تجنب الصدام مع النافر الدولي من ايديلوجيا وعصامية الدولة .

لكن لا( زمين ) ولا (جينتاو )هم اصحاب الفضل الاول ، بل القضية كانت تعود الى ايام “المجتهد ” الماركسي ماوتسي تونغ ، والصفقة التاريخية التي عقدها مع الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون حول التخلي عن تصدير الثورة والأممية البلورتارية .

اما تصدير الثورة الذي صورته الدعاية وكانه خطيئة سياسية إيرانية ، فقد كان بالحقيقة انسجام جميع الثورات مع نفسها ، لان ما بعد الثورة هو تصدير الثورة والتبشير بها خارج الحدود وهو ما فعلته الثورة الفرنسية ، والثورة الروسية ، وجميع الثورات في العالم .

لكن دولاً منها ايران طورت التبشير والتصدير ، الى تصدير ناعم وهو بالأساس مصمم لانظمة الحكم الاسلامية ما قبل صعود العدالة في تركيا ، والربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ، والذي أوقف هذا التصدير ليس الدعاية او الاحتواء المزدوج ، بل أوقفته العقلانية الرفسنجانية على صعيد نموذج ( ادمان الثورة ) الذي سقطت فيه كوبا و كوريا الشمالية ، كما أوقفه عامل خارجي اخر هو ( الطائفية الاسلامية ) التي قادت المنطقة الى الدخول في حرب سنية شيعية باردة بعد سقوط نظام صدام في العراق عام ٢٠٠٣ .

لو لم تكن ايران شيعية ، لحدث الربيع العربي عام ١٩٧٩ ، لان حرق (بوعزيري ) لنفسه في شوارع تونس لم يكن اهم من نزول الامام الخميني من طائرته عائداً من منفاه . كما ان الكاثوليكية في وسط اوربا ، كانت ترفض بخفاء حضاري عميق ، تطور التجربة الماركسية الذي تحول الى حزب ايديلوجي دكتاتوري في روسيا الارثذوكسية .

قبل أسبوعين ، وفي مكالمة تلفونية لذيذة مع الداعية المؤسس السيد طالب الرفاعي ، تحدثت معه عن الشيوعية ، وكان قد تسأل عنها : لما فشلت في اوربا ونجحت في الصين ؟ وكان الجواب متشعب لكن بعضه كان يؤشر على حقيقة تلك الصفقة بين ماو تسي تونغ و نيكسون .

صعوبة الرفسنجانية تكمن في عدة عقد مهمة منها : صعوبة التكيف بين حتميات الدولة ، وفرضيات العقيدة الثورية ، فيتعرض الثوري العقلاني الى النقد المزدوج من خارج التجربة ، ومن داخلها ، وعلى سبيل المثال مات الماركسي العراقي الماوي هادي العلوي وهو ناقم على جيانغ زمين ، كما سيموت الكثير من قادة الحرس الثوري او متشددي نظام ولاية الفقيه وهم ناقمون على رفسنجاني رحمه الله .

لا تشذ الرفسنجانية على قاعدة الحاجة الى العدو المحفز ، وهي قاعدة تحتاج اليها الدولة الثورية ، والدولة المستقرة معاً ، وهي بالمناسبة ليس من ابداعات النازية كما توهم البعض ، ولا من ابداعات صموئيل هنتغتون في صراع الحضارات ايضاً، بل هي بالأساس للفيلسوف الصيني ( مينكيوس ) وتقضي بأن أي دولة ليس لها عدو أو خطر خارجي، محكوم عليها بالمطلق بالاندثار .

لذلك ترى الانقسام الإرادي الذكي مثلاً ، من خلال التاكيد على الخطر الامريكي من قبل مؤسسات الولي الفقيه والمرجعية والحرس الثوري ، والتعامل مع هذا الخطر من قبل مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية . وهذه السياسات الصينية الايرانية هي نتاج طبيعي لعدة عوامل تاريخية وسايكلوجية جمعية ، تتمتع بها الدول العريقة ، التي تريد الاحتفاظ بعقائدها السياسية المحاصرة ، والعلاقات الدولية الناجحة في آن معاً .

ان دول عريقة ومغرورة حضارياً ، مثل ايران والصين وروسيا واليابان ، لا يسعها التسليم المطلق لروح النظام العالمي القائم على عقيدة نهاية التاريخ عند الرأسمالية الليبرالية بقيادة الغرب ( الأوربي الامريكي ) حتى لو اضطرت للتعايش معه والتفاعل الاقتصادي والسياسي البعيد المدى .

من يلاحظ كيف طورت ايران زراعة القمح والرز والسكر ، او الصناعات الاستهلاكية اليومية او المتوسطة ، وكيف اهتمت بالبحث العلمي وتطوير السلاح والمؤسسة العسكرية ، يدرك انها دولة تتوقع الحرب والحصار في كل يوم ، وتعمل لتجنب الحرب والحصار كل يوم . وايران بالتالي من صنف الدول والشعوب التي لا تجد ذاتها الا في ذاتها .

والإسلاميون العراقيون الشيعة متأثرون الى حد ما ، ببعض ستراتيجية الثورة الايرانية ، فحين يجلسون الى قائد الثورة الخامنئي ، او الراحل محمد حسين فضل ، او امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ، يسمعون كلاماً مكررا حول هذا الانقسام الإرادي الذكي ، وعن عالم الجعل والمجعول ، والثبوت والإثبات ، وما يناسب المرجع ، وما يناسب السياسي ، من القول والموقف . هنا يمدحونا البعض كعراقيين ، مدحاً لا نستحقه ، حول التوازن في العلاقة بين ايران وامريكا ، الذي هو في الحقيقة هو تفاهم ، بين الإيرانيين والامريكيين ، اكبر من قدرات العراقيين المحدودة .

لكم يبقى السؤال الاخير حول من يلتحق بمن ؟ ومن سيضع من في الثلاجة ؟ العقيدة السياسية للدولة والحزب ؟ ام العقلانية الواعية للسياسية ؟ فالأول يقودنا لعودة صراع الايديولوجيات والحرب الباردة ، والثاني سجعل من التكتيكي ستراتيجي ! ومن المؤقت دائم ؟
أم انه كان دائماً فعلاً ؟