التاريخ : 22 أكتوبر, 2019 | الوقت الان : 6:37 ص
الاخبارالرئيسيةنفحات
هذا ما نفهمه من مقولة (هيهات منّا الذلّة)
24 أكتوبر, 2015 | 9:20 ص   -   عدد القراءات: 544 مشاهدة
هذا ما نفهمه من مقولة (هيهات منّا الذلّة)


شبكة الموقف العراقي

بداية نقول : أنّ أيَّةَ مقولة تُوضع لتكون شعارًا يردّدُ في مناسباته الخاصة ، وخاصة تلك التي تُوضع لتُرَدّد في لحضات المِحَن المؤلمة والإبتلاءات الموجعة ، والتي تَتَمَحَّصُ فيها أفئدة الرجال وقلُوب النساء ، لا تكتسب معانيها فقط من المعنى الذي توضع له ألفاظ المقولة أو الشِعار ، فقد تكون ألفاظ المقولة المؤثرة تحمل معاني بسيطة .

بل إنّ الشعارات التي تؤثر في قلوب وأفئدة من يرفعها ويؤمن بها ، تكتسب معانيها المؤثرة من المعاني التي تحكم الواقع الذي كان يعيشه صاحب المقولة حين نطقه بمقولته ، لأنّها تصبح عند ذلك عِبَارة عن موقفٍ ، لا فقط شعار يُرفع ، وكذلك تكتسب معانيها ممّا عليه صاحب المقولة نفسه .

فلو عدنا إلى مقولة ” هيهات منّا الذلة ” والتي توطنت وتتردّدت في قلوب وعلى ألْسُن الأحرار لأكثر من ألفِ سنة ، سنجد أنّ تردّدها على الألْسُن وكذلك تَرَسُّخها في قلوب الملايين من الأحرار عبر القرون الطويلة ، لم يكن أمرًا عبثيًا .

بل إنّ تحليل واقع وحال من رَدَّدَ هذه المقولة ، يقودنا إلى حقيقة أنّ هذه المقولة حافظت على بقائها واستمرار تأثيرها في قلوب الأحرار بسبب ارتباط عنصرين مهمين بها :

العنصر الأول : هو حقيقة ما يمثّله صاحب هذه المقولة من قيم انسانية وإيمانية .

العنصر الثاني : هو تلك المعاني التي حَفَّت الواقع الذي دفع صاحب المقولة لقول مقولته .

وقبل الحديث في هذين العنصرين ، ننقل جزءًا من الخطبة التي ذكرت فيها هذه المقولة ، كما نقلها جمهور المسلمين من السنّة والشيعة :

فقد أخرج ” أبو موفق الخوارزمي ” في كتابه ” مقتل الحسين (عليه السلام) ” ، وكذلك نقل لنا ” ابن طاووس ” في كتابه ” مقتل الحسين (عليه السلام) ” ، الخطبة التي ذُكرت فيها مقولة ” هيهات منّا الذلة ” ، والتي صدح بها حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأصغر الإمام الحسين (عليه السلام) ، ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، و ابن فاطمة الزهراء (عليه السلام) بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) .

في اليوم العاشر من محرم الحرام ، وهو في ” كربلاء ” مع بضعة عشرات من أهل بيته (عليه السلام) وبعض الأصحاب ، وهم يواجهون الألوف ممن باعوا دينهم لأجل دنياهم ، ولأجل طاعة الحُكَّام الفُسَّاق من بني أميّة ، الذين هتكوا حُرمة نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله) طمعا بالملك ، وابتدعوا في دين الله ما لم يسبقهم إليه أحد ، وهي :

أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ ، قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ : بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ ، يَأَبَى اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَـامِ عَلَى مَصَـارِعِ الْكِرَام ( راجع كتاب مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 9 و10 ، وكتاب مقتل الحسين لابن طاووس ص 59 ) .

ومن هنا نجد أنّ حقيقة الإمام الحسين (عليه السلام) ، وما يمثّله من قيم سامية، لا تُفهم فقط من جهة كونه حفيد نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله) ، ومن كونه ابن من ربّاه الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وابن بضعة رسول الله فاطمة الزهراء (عليه السلام)، وكونه من أهل بيت الرسول (عليه السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

بل إنّ هذه القرابة العظيمة ،تكشف لنا في الواقع عن حقيقة البيئة والأسرة التي نشأ وتربَى فيها (عليه السلام) ، والتي نسلّم جميعنا بأنّ البيئة والمربّي هما قوام تشكل شخصية الفرد .

إذن فهذا العبد المؤمن الصالح ، والعزيز الأَبِيُ ، قد باشر تربيته وراقب نشأته ، أفضل الخلق وأكملهم في هذه الأمّة ، وعليه فلا يبقى مجال للمقارنه بينه ، وبين من نشأ وتربى في بيئة الكفر والخُبث ومحاربة الإسلام ، كما هو حال ” يزيد بن معاوية ” و ” زياد ابن أبيه ” و ” عمر بن سعد ” .

كما أنّ المواقف التي كشفت عنها مقولاته في ” كربلاء ” وكذلك سيرته ، تدحض كلّ وجوه المقارنة بين الإمام الحسين (عليه السلام) ، وغيره من البشر .

وكذلك الواقع الذي عاشه الإمام الحسين (عليه السلام) ، حين قال مقولته ” هيهات منّا الذلة ” ، لا يترك لنا مجالاً لمقارنته (عليه السلام) بغيره ، ممن وقف لمواجهة الظلم والفسق ورفض الذلّة والمهانة عبر التاريخ البشري ، وهذا ما سنبيّنه في السطور القادمة.

أمّا العنصر الثاني فنستوعبه عندما نعلم ، أنّ رجلا كالإمام الحسين (عليه السلام) ، وبعد أنّ ذاق مرارة الغدر في أعلى دراجته ممن كاتَبوه وطلبوا منه النصرة، وكيف لا وقد ترتّب على هذا الغدر شهادته مع أهل بيته (عليه السلام) وخُلّص أقاربه و أصحابه ، بل وسبي نسائه ، وقيادتهن من العراق إلى الشام مقيّدين كما تُقيّد العبيد بِسلاسلِ الحديد .

وكذلك تجرّع ألم ووجع المسؤولية في أبشع صورها ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو بعد أن حوصر في الصحاري مع نسائه الذين هم حرائر بيت النبوة ، وأطفاله الذين هم بقيّة من ذريّة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ، وقلّة من أقاربه وأصحابه الخُلّص لربّهم ، وهو يشاهد بأمّ عينه ، أطفاله وأهله يفترشون الأرض وشفاههم قد تشقَّقَت وحناجرهم جفَّت من العطش الذي جَفَّت معه صدور المرضعات من أهل بيته ، وخمد معه بكاء الأطفال ، ونهر الفرات لا يبعُد عنه مَرمى سهمٍ ، لا لشيء إلا لأنّ هناك حاكمًا فاسقًامن بني أميّة ، قد أمر شذّاذ المطالب والأماني وعبّاد زيف الدنيا وحطامها ، بمنع الماء عنه وعن مَن معه ، ليدفعهم للخضوع له والنزول عند حكمه الفاسد .

فرجل مثله (عليه السلام) ، وبعد أن يعيش فوقَ أوجاعه وألمه ، كلّ هذه المرارات وهذه الآلام والأوجاع ، ثمّ يواجه ابتلاءات موته وموت أطفاله وأهل بيته وأصحابه ، بل ويواجه أصعب الإبتلاءات والمِحنِ التي يمكن أن يتعرّض لها إنسان ، وهو ألم ومرارة سبي نسائه الذين هم أطهر نساء الأمّة .

فرجل مثله(عليه السلام) ، وبعد أن خُيّر من قِبَل شخص ، وكما حكى لنا التاريخ ، أنّه ابن سِفاح وزنا وهو ” زياد ابن أبيه ” ، بعد أن خيّره بين أنّ يخضع ويخنع لحُكم ” يزيد بن معاوية ” الفاسد الفاسق الفاجر ، وبين أن يواجه الموت هو ومن معه ، ويواجه ما يترتب على ذالك من سبي للنساء .

فأجاب قائلا : { أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ } أي أنّ ابن من لا يعرف له أب ، { قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ } بمعنى أنّه استقرّ حكمه علينا بخيارين ، { بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ } أي بين استلال السيف والمواجهة حتّى الموت أو الذلّة له ولمن يقف خلفه ، { وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ } فلفظة هيهات تفيد معنى النفي في أعلى مراتبه ودرجاته ، وهي بمعنى يستحيل أن تكون لنا الذلّة .

{ يَأَبَى اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } هنا بدأ يذكر السّببَ وراء أن الذلّة ليست له (عليه السلام) ، فإنّ الله الذي خلقه وخلق الخلق ، يرفض أن تكون الذلّة من نصيبه ، بل قدّر أن لا تكون له ، وكذلك نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) ، فرفض المولى تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله) يعني تكليف شرعي ، ومن كان مؤمنا حقَّا كذلك يرفض لنا أن نختار الذلة .

{ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ } ، بل يبيّن فوق ذلك ، أنّ كل إنسان تربى في حجر طيب وطاهر ، بحيث تحقّقت فيه انسانية الإنسان ، وكل من كان له حميّة على عرضه وشرفه ، وكل من كانت نفسه أبيّة على قبول الذلّة والمهانة ، يرفض لنا أن نقدّم طاعة اللئام – وهم الذين يبيعون الشرف والعرض ويفعلون كل الرذائل في سبيل تحصيل بعض مكاسب الدنيا – ، على مِيتَةِ العباد الكرام .

وبمعنى آخر أن الذين بلغوا درجة تحقيق إنسانيتهم ، وإن كانوا من غير دين الإسلام ، الذين هم عندهم حميّة على الشرف والعزّة والكرامة والعرض ، وأصحاب النفوس الأبيّة عن الذلّ ، لا يرضون لنا ، أن نختار طاعة اللئيم ، في سبيل الهروب من الموت الكريم ، الذي هو الموت رفضا للذلّة ، وهو ما نعبّر عنه بالشهادة .

وخلاصة كل هذا :

أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ، يريد أن يوصل لنا من خلال ما ترجمه من موقفٍ ، والذي تكشفه لنا مقولته ” هيهات منا الذلّة ” المفيدة لمعنى الرفض البات للذلّة ، أنّه مهما واجهتنا من آلام ومن أوجاع ، ومهما كانت مرارة النتائج التي ستؤدي إليه المواجهة ، ومهما بلغت معاناتنا الجسدية والشعورية النفسية ، لا بد أن يكون موقفنا هو نفس الموقف الذي تعبّر عنه مقولة “هيهات منّا الذلّة ” .

وأيضا يريد أن يعلمنا أنّه على العبد المؤمن ، وعندما يواجه العدو اللئيم الجائر ، وهو على طريق الحقّ ، أن لا يختار أبدا طريق الرضوخ له والخنوع ، لأنّ الله عزّ وجل يُحرّم علينا هذا الخيار ، والرسول (صلى الله عليه وآله) كذلك يأبى لنا أن نختار الذلّة على الشهادة ، و المؤمنون مع أحرار العالم يرفضون لنا ذلك ، ففي الخضوع والرضوخ هروبًا من الموت الكريم الذي هو الشهادة، خسارة في الدنيا بما يترتب عليها من خِزيٍ وعار ، وخسارة في الأخرة بالذلّة والمهانة.

والحمد لله رب العالمين

0