التاريخ : 18 أكتوبر, 2018 | الوقت الان : 10:36 ص
الأخبار الثقافية
انثيالات المعرفة
30 سبتمبر, 2015 | 7:21 ص   -   عدد القراءات: 329 مشاهدة
انثيالات المعرفة


شبكة الموقف العراقي

كتاب الشاعر المصري (أحمد عبد المعطي حجازي) تحت عنوان (بابل الشعر) محاولة لرصد البنية المعرفية المؤثرة، والقابلة لتتويج الذاكرة المعرفية بمفردات أنتجتها التجربة الغنية للشاعر، تخص الشعر والشعراء، غير أنها لا تغفل مصادر المعرفة الأخرى. إنها محاولة للحفر في أسس المعرفة عبر التلقي، وأسسها المتأتية من التجربة. وعلى نحو ما قال (إرنست همنغواي) في كون.. الحقيقي مصنوعا من التجربة والمعرفة. فقد تنوع في طرح وجهات النظر، بحيث أفادت في بلورة مواقف في التاريخ الإبداعي واسترداد القيمة التاريخية للإبداع، وعمل على أن يكون التنوع هذا سمة تتداخل مع الجدل التاريخي، وتشكيل مدوّنة في التاريخ البشري. وفي هذا تمت معرفة أن أزلية البقاء للإبداع وحده مهما اختلفت اتجاهاته، فصنـّاع هذا التاريخ ومؤلفو مدوّنته هم المبدعون الذين خبروا الحياة، بحيث انعكست بشكل مباشر في نتاجهم، بمعنى واكبوا جدليتها وتحاوروا معها. 

 

من هذا حاول المؤلف أن يُقدم رؤى تتبنى السيرة الإبداعية والسيرة الشخصية. فالحيادية والمنطقية كانتا الحدود القصوى في ضبط النفس.

حقائق ودالات  

إن الحجازي انحاز للشعر والشعراء، ليس من باب اختصاصه، بقدر ما اندفع فعلا لتقصّي الأقرب حسيا. واعتمد الأفكار والممارسات التي تواكب الفعل الإبداعي فقط، في كونه تقصّى ما وراء الواقعة التاريخية ، كاغتيال (هيباتيا) عالمة الفلك والرياضيات على أيدي السلفيين المسيحيين في مدينة الإسكندرية عام 1415. فهو بصدد ربط المنُتـَج بالتاريخ ثم بالمكان، لذا نراه يستدرج الممكن من أجل كشف الحقائق والدالات في التاريخ البشري، لاسيّما علاقة المدن بالمنتِج والمُنتـَج.  

فقد أكد أن الحفاظ على الإبداع لا بد أن يمر عبر الوثيقة. والوثيقة هنا لا تعني أرخنة الواقعة، بقدر ما هي منح المنتـَج صفة الحيوية  

التاريخية.  

فالإبداع يعني في جملة ما يعنيه، هو صورة الواقع منظور له عبر الرؤى والتصورات المتأتية من التجربة والممارسة. ففي حقل المكان المتمثل في المدن كالإسكندرية مثلاً يؤكد أن الصورة ليست فقط كما تتمثل في خيال الأدباء والشعراء، بل كما تـُسجلها الوثائق التي تستطيع أن تـُعطينا صورة أغنى وأدق من هذا يذكر ما يتوجب اتباعه في تحقيق الصورة الأدق. 

 

ولعل هذا ما يؤكد طبيعة الحلم الذي يراود المبدع، وهو يتخذ من المكان مدينته الفاضلة، أو ما يُطلق عليها المؤلف المدينة الجامعة أو المجتمع العالمي الذي يتسع لكل الأجناس واللغات، ويرمز له ببرج بابل.. الذي تقول عنه التوراة إن البشر قد شيدوه ليطلوا منه على

 

السماء. 

 

حركة ثورية 

وما اتخاذه من شاعر كـ (مارتيني) سوى كونه يُشكل النقيض مقارنة بمايكوفسكي الذي تبنى فكر الشغيلة. 

 

وهي إشارة على أن المستقبليين الروس ارتبطوا بحركة ثورية شعبية، بينما نجد مارتيني انحاز لمبدأ القوة في انضمامه إلى الغزاة الإيطاليين، والأفكار الفاشية وموسوليني. لقد كان المؤلف يستدرج التاريخ للوصول إلى بلاغة الفعل الذي يسطره المبدعون، ولعل اهتمامه بالشاعر (ريلكة) كان أكثر تأكيداً على علاقة الشعراء بالمدن ذات النبض التاريخي. 


علاقة ابداعية.

فالعلاقة امتدت منذ العام 1911 حيث زار الشاعر مصر وأماكنها ورموزها الكبيرة، كأبي 

الهول.

وثم تأكيده أن صنـّاع التاريخ لهم وحدهم إمكانية جعل خط المسيرة على مدار يعمل على

 

فائدة. 

كذلك أكد على أصالة العلاقة بينه وبين المدن من خلال الانحياز المواكب للمعنى المطلق الذي تـُطلقه المدن أمام الإنسان ليكوّن الصورة عن تلك المدن وشواهدها، كما نرى نحن إزاء شواهد مدننا القديمة، وما يتوجب علينا من إحساس إنساني كبير. ذلك لأنها ناتج العقل والذي أنتج حضارة متقدمة وراسخة. فحين تتحدث عن الإسكندرية وأبو الهول وأور ولكش، يتوجب أن يكون حديثنا بمثل ما نتحدث عن روما وما أنتجته من حضارة لها شواهدها. وفي الوقت نفسه لا بد من ذكر سومر وآكد وآشور باعتبارها أسست لشواهد كالزقورات والمعابد والمكتبات والأسوار. 

 

  

المدينة ورموزها 

 

فهذه المدن إنما أسست رموزها التي هي العلامات المؤكدة على أصالتها وقوة فاعليتها في تأسيس حضارة 

 

عريقة. 

 

ولعل (جسر بروكلين) كما ذكر المؤلف هو الشاهد التاريخي الذي أقام له الشعب اعتبارات معرفية طقسية، تعاقب عليه الشعراء في الوصف ومنهم (وولت ويتمان ومايكوفسكي). 

 

وهذا ما ينطبق على مدينة كـ (لندن) وموقف (اليوت) الرؤيوي منها، حيث استمد كثيراً من أشعاره وأفكاره. لقد أكد الشاعر (ويتمان) في قصيدته (على جسر بروكلين) على أصالة طقس مشاهدة هذا المعلـَم وانعكاسات المدينة على العابر للمدن.

 

وفي تطرقه إلى الشاعر (رينيه شار) حاول أن يجد منطقة يلتقي فيها الشاعر مع (هايدغر) أي لقاء الشعر والفكر.

 

عموماً نرى أن الكتاب المعرفي كـ (بابل الشعر) للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي إطلالة عميقة لقراءات متباينة في الثراء  

والرؤى.