التاريخ : 12 نوفمبر, 2019 | الوقت الان : 5:01 م
نفحات
من هو الخضر وما سرّ خلوده؟
14 أكتوبر, 2019 | 1:42 م   -   عدد القراءات: 601 مشاهدة
من هو الخضر وما سرّ خلوده؟


شبكة الموقف العراقي

حين توفّي النبي محمد، وبينما اجتمع الناس في بيته قُبَيْل دفنه، إذا بصوتٍ ينادي ولا يشاهد الحاضرون صاحبَه، معزيّاً الحاضرين ويعظهم، فارتبك الناس، فطمأنهم عليُّ بن أبي طالب وقال: إن الصوت الذي يسمعونه هو صوت “الخضْر”.

ما سبق هو رواية متداولة في كتب التراث الإسلامي، منها “البداية والنهاية” لابن كثير، ويؤمن المتصوّفة بمغزاها، وهو أن العبد الصالح الذي ذكر القرآن أن الله أرسله لنبيّه موسى ليعلّمه ويعطيه درساً في التواضع، ظلّ باقياً حتى بعثة محمد، بل حيَّاً إلى يومنا ولن يموت حتى يوم القيامة، في استثناء لقوانين الموت والحياة، ليظهر للصالحين فيعظهم ويُنقذهم من المهالك، ويباركهم، بل ويبشّر البعض منهم بالمُلك، كعمر بن عبد العزيز، ثم يختفي.

المصادر تنقل عن المؤمنين بخلود الخضر قصصاً وحكاياتٍ لا حصر لها، عن لقاءاته بالنبي والصحابة وحشود من المتصوّفة، وفي السطور التالية ننقل ما دار خلال بعض هذه اللقاءات، ونجيب عن السؤال: كيف يبرّرون عدم قابلية الرجل للموت؟

من لقاءات النبي والصحابة بالخضر

ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه “الزهر النضر في حال الخضر” أن النبي خرج في ليلةٍ ومعه الصحابي أنس ابن مالك، وبينما يمشيان سمعا صوت رجلٍ يقول:

“اللهم ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوّقتهم إليه”، فردَّ النبي على صاحب الصوت: “لو أضاف أختها إليه؟”، فردَّ الرجل: “اللهم تعينني بما ينجيني مما خوّفتني منه”، فقال النبي: “وجبت وربّ الكعبة”، وطلب من أنس الذهاب للرجل ويطلب منه أن يدعو له (النبي) بالعون على تبليغ رسالته، وأن تصدّقه أمته.

ذهب أنس لمكان الصوت فوجد رجلاً، وأبلغه بما طلب النبي، فسأل الرجل أنس عن اسمه، فرفض الردّ عليه، فرفض الرجل أن يدعوا للنبي، فعاد أنس لمحمد وأخبره، فأمره أن يخبر الرجل عن هويته، ففعل ذلك أنس، وحينها قال له الرجل: مرحباً برسول رسول الله، ودعا له، وقال: اقرأه مني السلام، وقل له: أنا أخوك الخضر، وأنا كنت أحقّ أن آتيك.

وفي روايةٍ أخرى ردّ الرجل (الخضر) على النبي من خلال أنس وقال: إن الله فضّلك على الأنبياء مثلما فضّل به رمضان على الشهور، وفضّل أمتك على الأمم مثل ما فضّل يوم الجمعة على سائر الأيام.

ومن حكاياته مع الصحابة أن الخليفة عمر بن الخطاب كان في المسجد ويستعدّ لإمامة المصلّين لصلاة الجنازة على ميتٍ، فإذا برجلٍ ينادي، يطلب منه عدم البدء، فانتظر عمر حتى جاء الرجل وانتظم في صفوف الصلاة، فبدأ عمر، وحينها قال الرجل: “إن تعذِّبه فقد عصاك وإن تغفر له فإنه فقير إلى رحمتك”. ولما دُفن الميت قال الرجل مجهول الهويّة: “طوبى لك يا صاحب القبر وإن لم تكن عريفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطيّاً”.

وهنا طلب عمر الإتيان بالرجل إليه، ليسأله عن أحواله وكلامه، فاختفى الرجل، ووجد الناس أثر قدمه على الأرض بطول ذراع، فقال عمر: “هذا والله الخضر الذي حدّثنا عنه النبي”، حسبما جاء في كتاب “الجنائز” لابن شاهين.

صورة النبي إلياس في القَصَصين التوراتي والقرآني والموروث الشعبي

عالمٌ سنّي، ونبي إيزيدي، وولي صوفي ذو كرامات لا حدّ لها: كيف نقرأ شخصية عدي بن مسافر؟

قال لهم “معبودكم تحت قدميّ” فكفروه… كيف نفهم شفرات الصوفية؟

ما هي قصص شخصية الخضر مع الرسول وصحابته والمتصوفة وحُكّام المسلمين؟ وماذا نفهم عن تاريخ الثقافة الإسلامية من سيرته؟

تقول السردية الشعبية أنّ العبد الصالح الذي ذكر القرآن أن الله أرسله لنبيّه موسى ليعلّمه ويعطيه درساً في التواضع، ظلّ باقياً حتى بعثة محمد، بل حيَّاً إلى يومنا ولن يموت حتى يوم القيامة، في استثناء لقوانين الموت والحياة، ليظهر للصالحين فيعظهم ويُنقذهم من المهالك، ويباركهم، بل ويبشّر البعض منهم بالمُلك

حكايات للخضر مع حكام المسلمين

للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أكثر من قصّةٍ مع الخضر، حيث جاء في “المعرفة والتأريخ” للبسوي، أن رياح بن عبيدة قال: رأيت رجلاً يُماشي عمر بن عبد العزيز معتمداً على يده، فلما صلّى قلت يا أبا حفص من الرجل الذي كان معك معتمداً عليك آنفاً؟ قال: أوقد رأيته يا رياح؟ قلت: نعم! قال: إني لأراك رجلاً صالحاً! ذاك أخي الخضر، بشّرني أني سألي أمر هذه الأمة وأعدل.

وهنا نلاحظ أن عمر فسّر قدرة ابن عبيدة على رؤية الخضر بأنها دليل على تقواه وصلاحه، ونلاحظ أن الرواية لم توضّح أن عمر كان مضطرباً أو مستغرباً، وكأنه اعتاد لقاء الرجل، وهو ما توضّحه قصص أخرى، منها ما ذكره أبو بكر الدينوري في “المجالسة وجواهر العلم”، من أن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت الخضر وهو يمشي مشياً سريعاً وهو يقول: صبراً يا نفس صبراً لأيام تفقد لتلك الأيام الأبد، وصبراً لأيام قصار لتلك الأيام الطوال.

كما روي أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أراد قتل رجلٍ معارضٍ لحكمه، فهرب الرجل، وبينما هو في صحراء إذا برجلٍ يصلّي، فخاف منه، ولكنه طمأن نفسه بأن ليس معه مالٌ أو شيءٌ يخاف أن يُسرق منه، فاتجه نحوه، فركع الرجل وسجد ثم التفت إليه وقال: لعل هذا الطاغي (سليمان) أخافك؟ فردّ: أجل، فأخبره بأدعيةٍ يقولها للنجاة من بطشه ثم اختفى المُصَلّي.

بعدها اطمئن الهارب وقرّر العودة، فذهب إلى قصر سليمان، ودخل عليه فاستقبله سليمان بحفاوةٍ وأجلسه إلى جواره وقال له: سحرتني، أو ساحر أنت مع ما بلغني منك؟ فنفى الرجل علاقته بالسحر، فازداد استغراب سليمان من كراهيته للرجل التي زالت عنه بلا مبرّر، وأصرَّ أن يفهم ماذا حدث ليتغيّر ذلك، فأخبره الرجل بما جرى له، فقال سليمان: “إنه الخضر”.

ونُسب للخليفة العبّاسي أبو جعفر المنصور، أنه سمع رجلاً يقول في طوافه حول الكعبة: “أشكو إليك ظهور البغي والفساد”، فدعا المنصور الرجل، وسمع منه وعظاً قاسياً، ثم انصرف الرجل، فأرسل المنصور رجاله وراءه ليحضروه، فوجدوا الرجل قد اختفى، فقال المنصور: “ذاك الخضر”، حسبما ذكر ابن حجر العسقلاني.

مع الصوفيّة: يعظهم ويعلّمهم ويلبسهم الخرقة

للخضر عند الصوفيّة خصوصيّة، وينقل محمد بن محمد المهدي التمسماني في كتابه “سيدي الخضر رأس الأولياء”، عن الصوفي الشهير عليّ الخواص: ليس عالماً عندنا إلا من كان علمه غير مستفادٍ من نقلٍ أو صدر، بأن يكون “خضري المقام”.

اعتبر الإمام السيوطي الخضر خالداً في الأرض، كما الأنبياء إلياس وعيسى وإدريس، إلا أن إدريس والمسيح رفعا إلى السماء، أما الخضر وإلياس فيعشان في الأرض. ونُسب للحسن البصري، المتصوّف الشهير قوله: وكِّل إلياس بالفيافي، ووُكِّل الخضر بالبحور، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، وإنهما يجتمعان في موسمٍ كلَّ عام

وينقل ابن حجر عن الفقيه والمحدث يحيي ابن شرف النووي، أن أغلب العلماء يعتقدون أن الخضرَ حيٌّ “وذلك متفق عليه عند الصوفيّة وأهل الصلاح والمعرفة، وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ منه وسؤاله وجوابه ووجوده المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر”.

واعتبره الإمام السيوطي خالداً في الأرض، كما الأنبياء إلياس وعيسى وإدريس، إلا أن إدريس والمسيح رفعا إلى السماء، أما الخضر وإلياس فيعشان في الأرض. ونُسب للحسن البصري، المتصوّف الشهير قوله:

وكِّل إلياس بالفيافي، ووُكِّل الخضر بالبحور، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، وإنهما يجتمعان في موسمٍ كلَّ عام، حسبما نقل ابن حجر.

وجمع التمسماني في كتابه المذكور حشداً من القصص والمواقف بين الخضر ومشايخ المتصوّفة، منها ما نقله عن الصوفي الشهير عبد الوهاب الشعراني، عن أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كان يجتمع كثيراً بالخضر، وقال: أخذ عليَّ الخضر العهد بالتسليم لمقالات الشيوخ، وألبسني خرقة الصوفيّة تجاه الحجر الأسود”.

وذكر الصوفي البارز أبو بكر الرازي أنه سمع بلال الخواص يقول: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني، فتعجّبت، ثم أُلهمت أنه الخضر، فقلت: بحقِّ الحقِّ من أنت؟ قال: أنا أخوك الخضر! فقلت: ما تقول في الشافعي؟ قال: من الأوتاد، قلت: فأحمد بن حنبل؟ قال: صدِّيق، قلت: فبشر بن الحارث؟ قال: لم يخلف بعده مثله، قلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: بِبِرّك لأمك.

ونُسب إلى بشر الحافي، أحد أعلام التصوّف في القرن الثالث الهجري، قوله: كانت لي حجرة وكنت أغلقها إذا خرجت معي المفتاح، فجئت ذات يوم وفتحت الباب ودخلت فإذا شخص قائم يصلّي، فراعني، فقال: يا بشر لا ترع، أنا أخوك أبو العباس الخضر، ثم أخذ يعلّمه ويعظه.

ماء الحياة أم دفنه لآدم؟ سرُّ خلود الخضر

تتداول المصادر روايتين رئيسيتين حول خلود الخضر، يكذّبها كثيرون كابن تيمية وأصحاب الفكر السلفي، إحداهما أنه كان من قادة ورجال ذي القرنين، تلك الشخصية التقيّة التي ملكت الأرض، بحسب الرواية القرآنيّة، حيث أراد ذو القرنين أن يخلد ولا يموت، فأخبرته الملائكة أن هناك عين ماءٍ من شرب منها لا يموت، فانطلق ذو القرنين بجيشه يبحث عن العين لسنوات.

ولكن الخضر سبق بقوّاته إلى العين وشرب منها، ولكن ذا القرنين كان متخلِّفاً عن الركب ولم يلحظ عين الماء ولم يشرب منها، فخُلّد الخضر، حسبما ذكر ابن كثير.

أما الرواية الثانية فمفادها أن جسد آدم أبي البشر كان مخفياً في مغارةٍ لم يدفن، ودعا لمن يعثر على جسده ويدفنه بأن يطول عمره إلى يوم القيامة، فلما وقع طوفان نوح عثر الخضر على الجسد ودفنه، بعدما علم من نوح بأمر دعوة آدم لمن يدفنه.

صورة المقال من مخطوطة تصور لقاء بين النبي إلياس والخضر، وهي من مقتنيات متحف فرير ـ ساكلر في واشنطن 

0