التاريخ : 15 ديسمبر, 2019 | الوقت الان : 4:11 ص
نفحات
موقف الصحابة والتابعين من مسير الامام الحسين”عليه السلام” إلى الكوفة.
8 سبتمبر, 2019 | 11:10 ص   -   عدد القراءات: 5٬439 مشاهدة
موقف الصحابة والتابعين من مسير الامام الحسين”عليه السلام” إلى الكوفة.


شبكة الموقف العراقي

حفلت إقامة الامام الحسين بن علي بن ابي طالب”عليهما السلام” بمكة المكرمة بوجوه اجتمعت به، وتحدثت إليه، وعرفت هدفه الذي جاء من أجله والغاية التي أخرجته من المدينة، وهي متجهة به نحو العراق، وان محله الكوفة حيث شيعته وشيعة ابيه، وكان هؤلاء بين ناصح له ومعترض على أمر لا تعرف نتائجه، ومع قوم كان لوالده تجربه مرة معهم، وذاق أخوه بعضا من مرارتها.

وتشير الروايات التاريخية ان موقف الصحابة والتابعين من مسير الامام “عليه السلام” نحو الكوفة كانت متباينة حسب اجتهاد كل واحد منهم ومن ابرز هذه المواقف على سبيل المثال لا الحصر :

  1. نصيحة أخيه محمد بن الحنفية

       كان محمد بن الحنفية أول الناصحين، وفي مقدمة المنبهين ، وحث الامام الحسين”عليه السلام”  بالتوجه نحو اليمن بدلاً من العراق، وهو لم يكتف بما أسداه من نصح في المدينة، بل تابع مسيرة  الامام الحسين”عليه السلام”   الى مكة، وأخر لقاء جمعه بالإمام “عليه السلام” قبل توجهه الى العراق بليلة واحده حذره من غدر أهل الكوفة قائلا : “… يا أخي إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بابيك وأخيك وقد خفت إن يكون حالك كحال من مضى فان رأيت إن تقيم فانك اعز من في الحرم وامنعه”.

فكان جواب الامام الحسين”عليه السلام”   :” يا أخي قد خفت إن يغتالني يزيد في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت فنصحه ابن الحنفية إن يسير نحو اليمن أو بعض نواحي البر”([1]).

ينبغي ان نشير هنا الى، ان الامام الحسين”عليه السلام”  قد كتب وصيته الى أخيه محمد بن الحنفية قبل خروجه موضحاً فيها غايته وأهداف اعتراضه والتي يمكن ان تعد البيان الاول للثورة الحسينية ومنها :” اني لم اخرج اشراً ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بقبول الحق” ([2]) .

والذي منعه من الانضمام إلى الركب الحسيني هو شدة المرض الذي أنتابه وذلك بقوله:” ان والله ليحزنني فراقك وما أقعدني عن المسير معك إلا لأجل ما أجده من المرض الشديد فوالله يا اخي، ما اقدر ان اقبض على قائم السيف ولا كعب رمح فو الله لا فرحت بعدك ابدآ”([3]).

2- رأي عبد الله بن عباس

       لم يختلف ابن عباس في النصح والتحذير عن محمد بن الحنفية  قائلاً ” اخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فان كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم وان كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب والقتال ولا امن عليك إن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وان يستقروا إليك فيكونوا اشد الناس عليك”([4]).

    وتابع قوله: “… فان كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فليقوا عدوهم ثم أقدم عليهم، فان أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فان بها حصونا وشعابا وهي ارض عريضة طويلة وتبث دعاتك فاني أرجو إن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية”([5]) .

    مما سبق يبدو واضحاً، ان ابن عباس عرف الداء وشخص اللأمام الحسين “عليه السلام” أدوائهم مشيراً ومحذراً من القوم والركون إليهم، فكان جواب الامام الحسين”عليه السلام” ” والله يا ابن عم لئن اقتل بالعراق أحب إلي من إن اقتل بمكة وما قضى الله فهو كائن ومع ذلك استخير الله وانظر ما يكون”([6]).

   وفي ضوء هذا يمكن تفسير إصرار الامام”عليه السلام”  على التوجه الى العراق مبعثه عاملان: رسائل أهل الكوفة التي شكلت حجة عليه في وجوب الاستجابة لهم، والأخر هذا الحشد الكبير الذي ضم أهل الكوفة، خصوصا بعد وصول رسالة مسلم بن عقيل إليه تخبره بان عدد المبايعين له بلغ ثمانية عشر إلفا، وهذا واضح من جوابه لابن عباس: ” يابن عم إني لأعلم انك لي ناصح وعليَّ شفيق ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي بإجماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي”([7])، ودعوته للثورة والتغيير وإعادة الحقوق الى أصحابها.

   وما يجدر بالملاحظة، ان ابن عباس لم يستطع النصرة والتوجه مع الامام الحسين”عليه السلام” بالرغم من محبته له، وحرصه على السير معه، والانضمام لركبه، بسبب ضعف بصره، ووهن قوته، فاكتفى بالنصح والتحذير([8]).

3-نصيحة عبد الله بن جعفر

   اظهر عبد الله بن جعفر الموقف نفسه وأبدى نصحه محذراً من نتائج هذا المسير وعواقبه في رسالة أرسلها عقب خروجه من مكة قائلا ” اما بعد فاني أسالك بالله لما انصرفت حين تنتظر في كتابي فاني مشفق عليك من الوجه الذي توجه له ان يكون فيه هلاكك.”([9]). وما يؤكد ذلك ابن اعثم  في كتابه ” الفتوح الفتوح ” اذ ان عبد الله بن جعفر ارسل تلك الرسالة من  المدينة بعد انتشار الخبر في المدينة بان الامام الحسين “عليه السلام” يريد الخروج إلى العراق([10]).

   والملفت للنظر ان الامام الحسين “عليه السلام” كان جوابه :” يا ابن عمي لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لأستخرجوني وقتلوني”([11])، بعبارة أكثر صراحة ووضوحاً، إن هذه الرسالة التي كتبها عبد الله بن جعفر فيها امران ، كان الاول هو إن تحرك عبد الله بن جعفر جاء متأخرا، وان عبد الله  كان يأمل من خلال الوساطة إن تتحقق المتاركة بين السلطة والامام الحسين “عليه السلام” ، لذا فقد رد الامام “عليه السلام” على هذا الوهم بأنه ما لم يبايع يقتل لا محالة، ولا يخفى إن الامام الحسين “عليه السلام” لم يخرج لفقده الأمان بل لطلب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

   مما تقدم يبدو واضحاً، ان الروايات التاريخية كعادتها لم تبين الأسباب التي دفعت عبد الله بن جعفر إلى هذا الموقف، الا ان  ما ذكره العلامة  جعفر النقدي في كتابه الموسوم” حياة زينب الكبرى”   إن ابن جعفر كان مكفوف البصر مما حال دون التحاقه بركب الحسيني([12]).

4- مشورة أبي سعيد الخدري

   ولم تختلف مشورة ابي سعيد الخدري عن عبد الله بن جعفر محذره ومنذره، بان لا يركن الى أهل الكوفة، ولا ان يثق بمن كتب له، فهم ليسوا بأصحاب ثقة، فلطالما خبرهم أبوه من قبل وعرفهم وذلك قوله:” يا ابا عبد الله إني لكم ناصح واني عليكم مشفق وقد بلغني انه قد كاتبك قوم من شيعتك بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم فلا تخرج إليهم فاني سمعت اباك بالكوفة والله لقد مللتهم وابغضتهم وملوني وابغضوني”([13]).

بحكم هذه الحقائق يتبين ان الامام الحسين “عليه السلام”  لم يكن توجهه إلى الكوفة أشرا ولا بطرا، وإنما كان بفعل الكتب والرسائل التي حملته مسؤولية كبيرة أمام الله “عزوجل”. من جهة اخرى  ان الكوفة  تعد أفضل منطقة للصراع القادم بين الامام الحسين “عليه السلام”  ودولة بني أمية من الناحيته الإعلامية، وهو بخلاف مكة المكرمة حيث يقتل ويغطى الحدث إعلاميا حين تضع السلطة تبعة قتله على قاتل مجهول او تمسك به فيقاد فيضيع كل شيء كشأن كثير من الأحداث على شاكلة هذه.

0